تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٣ - بصيرة اخرى الإشارة إلى السفر الثالث من الأسفار الأربعة
إذ ملاحظة النسبة بما هي نسبة عين ملاحظة المنسوب إليه. فهو بالحقيقة مستغرق في ملاحظة جناب القدس و غائب عن ما سواه حتى أنه لا يلاحظ نفسه و لا حالا من أحوال نفسه إلا من حيث انها ملاحظة له و مفتقرة إليه و لهذا رجّح ٧٥ قول حبيب اللّه: لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [٩/ ٤٠] على قول كليمه: إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [٢٦/ ٦٢].
و بالجملة أشرف منازل السالكين مقام الفقر و منزل العبودية و السبب العقلي فيه ان جميع الموجودات قابلة للرحمة الإلهية، و الكمال الوجودي بحسب فطرتها الإمكانية و إنما المانع منها عن قبول الفيض الأتمّ و الجود الأشمل هو تقيّده بقيد خاص و تصوره بصورة وجوديّة مخصوصة تضاد قيدا آخر و صورة وجودية اخرى فبقدر تخلّصه عن قيده الجزئي و انخلاعه عن صورته المخصوصة يستحقّ لكمال أتمّ و أعمّ و صورة وجوديّة أشمل و أكمل فإذا تجرّد عن كل ما سوى اللّه و غاب عن كل اسم و رسم و حلية و صفة و حول و قوة كان اللّه له ٧٦ بدلا عن جميع ذلك. فصار الحقّ حوله و قوّته و سمعه و بصره و يده و رجله و جميع قواه و جوارحه- كما ورد في الحديث القدسي [١] من غير تغير و تكثّر ٧٧ في ذاته و صفاته. تعالى عن ذلك علوا كبيرا.
و لهذا أمثلة كثيرة:
منها: إن الهيولى الأولى للأجسام لمّا كانت في ذاتها عارية عن كلّ صورة حسيّة و صفة جسمانيّة قبلتها كلّها بخلاف الموادّ الثانوية لها فإنّها من حيث استعدادها الخاصّ لا تقبل إلّا صورة واحدة. فكذلك النفس الإنسانيّة ٧٨ التي هي هيولى العقليّات من شأنها أن تقبل سائر الصور العقلية و الكمالات الملكوتية و الأخلاق الحسنة كلّها إلّا انّ تقيّدها ببعض الصفات و احتجابها بحجب بعض الملكات يمنعها عن الاتّصال بما فوقها.
و منها: إنّ العناصر إذا امتزجت و تفاعلت و انفعل كلّ منها عن صاحبه انكسرت كيفيّاتها و كادت تخلع عنها صورها المتضادّة الجزئية فعند انكسارها و شدّة افتقارها
[١] الحديث المعروف: لا يزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى أحببته ...