تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٠ - حكاية في هذا الباب
الحيوة البدنيّة بالرزق.
و لما تقرّر إنّه تعالى يعقل وجود الكلّ من ذاته و ينال أسبابها و عللها من ذاته و وجود ما يعقله من ذاته واجب و يعقل بقاء النوع الإنساني ببقاء الأشخاص و تناسلهم، و يعقل تناسلهم ببقاء كلّ شخص مدّة و يعقل بقاء كلّ شخص مدّة بما به قوام حيوية و هو الرزق و الرزق إنّما يكون من النبات و الحيوان كالخبز و اللحم و الفواكه و الحلاوي، فوجب أن يكون الرزق مضمونا بتقدير الرؤوف الرحيم، و لذلك قال: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ [٥١/ ٢٣].
فقد علم إنّ الرزق سواء كان حلالا بحسب الشرع أو حراما أو غيرهما كرزق سائر الدوابّ واجب عن قبل اللّه وجوبا عقليّا كما قال ما مِنْ دَابَّةٍ [فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [١١/ ٦].
حكاية في هذا الباب
ذكر في كتاب إخوان الصفا إنّ بعض الخلفاء العباسيّة رأى شيخا سقّاء في داره فقال له: كم تعدّ من الخلفاء؟ قال: كثير. فقال له شبه المتعجّب: ما بالكم طوال الأعمار و نحن قصارها؟ قال له السقّاء: لأنّ أرزاقكم يجيء مثل أفواه القرب و أرزاقنا يجيء مثل قطر الأجفان. فاستحسن الخليفة و أمر له بجائزة أغناه بها عن صنعه.
ثمّ سئل عنه بعد حين فقيل: مات فقال: صدق لمّا جاءه الرزق مثل أفواه القرب قصر عمره. و هكذا الحكم و القياس قد جعل اللّه لكلّ إنسان نصيبا من السعادة و قسطا من النعيم و جعل له قسطا في الدنيا و قسطا في الآخرة كما قال تعالى: وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [١٣/ ٨] و قال: وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [١٥/ ٢١].
فمقدار ما يأخذ الإنسان نصيبا و حظّا من النعيم و التلذّذ في الدنيا، فبذلك المقدار ينقص حظّه و نصيبه من نعيم الآخرة.