تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢١ - و أما الحركة الإرادية
ثمّ إنّ الدنيّ لا يتألّم من دنائته و الخسيس لا يتضرّر من خسّته و الجاهل جهلا بسيطا لا يتعذّب بجهله و العامي الأعمى البصيرة لا يشقى بعماه الأصلي لكون كلّ منها لم يغيّر ما هو عليه ليتألّم بفقد كماله و يتعذّب بضدّ حاله بل كلّ أحد يعشق ذاته و يحبّ نفسه و إن- كان خسيسا دنيّا.
و في المثل السائر: غثّك خير من سمين غيرك، فمن أساء عمله و أخطأ في اعتقاده، فإنّما ظلم نفسه بظلمة جوهره و سوء استعداده. و كان أهلا للشقاوة ينادي على لسان الحال: مهلا فيداك أوكتا و فوك نفخ [١]، و إنّما قصر استعداده و أظلم جوهره لعدم إمكان كونه أحسن مما وجد. كما لا يمكن أن يحصل من أعمى القلب البصيرة و أن يلد القرد إنسانا في أحسن صورة و أكمل سيرة وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [١١/ ١١٨] و بالجملة تفاوت الخلق في الكمال و النقص و السعادة و الشقاوة إمّا بأمور ذاتيّة جوهريّة و إمّا بأمور عارضة كسبيّة بواسطة الأعمال و الأفعال. فالاختلاف بحسب الأمور الذاتيّة بمحض العناية الإلهيّة المقتضية لحسن الترتيب و فضيلة النظام و ليس منشأ الإشكال أصلا كما علمت.
و إمّا بحسب العوارض اللاحقة فهي من اللوازم و التوابع الحاصلة بمصادمات الأسباب و كل آفة و شرّ يلحق الشيء بسبب أمر خارج اتّفاقي فليس مما يدوم عليه بل يزول بزوال سببه و سيعود الشيء إلى ما كان عليه أولا من طبيعته الأصليّة و الأسباب الاتّفاقية غير دائمة و لا أكثريّة الوجود. اللّهم إلّا أن ينقلب طبيعة الشيء إلى طبيعة اخرى
[١] مثل يضرب لمن يجنى على نفسه. قال الميداني (مجمع الأمثال ٢/ ٤١٤):
«أصله ان رجلا كان في جزيرة من جزائر البحر فأراد أن يعبر على زق نفخ فيه، فلم يحسن إحكامه، حتى إذا توسط البحر خرجت منه الريح فغرق، فلما غشيه الموت استغاث برجل، فقال له: يداك أوكتا، و فوك نفخ».