تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٥ - مكاشفة استعارة الألفاظ للايصال الى المعاني العرفانية
يعبّر عنها بلفظ جلّت عظمة تلك الصفة أن تكون في عالم الألفاظ عبارة تدلّ على كنه حقيقتها لعلوّ شانها و انحطاط رتبة ١٦٩ واضعي اللغات أن يمتدّ طرفهم إلى مبادي إشراقاتها فانخفضت عن ذروتها أبصارهم انخفاض أبصار الخفافيش عن ذروة الشمس، فاضطرّ الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى ان يستعيروا من حضيض عالم الظلمات عبارة توهم من مبادي أنوار حقيقتها شيئا ضعيفا جدا. فاستعاروا لها لفظ «القدرة» فتجاسرنا بتوقيف من جانب الشرع انّ للّه صفة يصدر عنها الخلق و الاختراع ثمّ الخلق ينقسم في الوجود تقسيما عقليا إلى أقسام لتنوّعات فصول و مبادي انقسام فاستعير لمصدر هذه الأقسام و مبدأ هذه التخصيصات بمثل تلك الضرورة الواقعة في عالم الألفاظ و الأصوات عبارة «المشيّة» ثمّ انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة المنبعثة عن المشيّة الناشية عن الحكمة التي هي علمه بالنظام الأكمل و هو عين ذاته، إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها إلى ما يوقف به دون الغاية و كان لكلّ منهما نسبة إلى صفة المشيّة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها يتمّ الاختلاف و القسمة فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبوب و هو المنعم عليه. و لنسبة الواقف دون غايته عبارة المكروه و هو المغضوب عليه.
و قيل: إنّهما جميعا داخلان تحت المشيّة إلا انّ لكلّ منهما خاصيّة اخرى في النسبة يوهم لفظ المحبّة و الكراهة منهما أمرا مجملا عند طلّاب اكتساب العلوم من إطلاقات الألفاظ و اللغات.
ثمّ نقول: لمّا كان لكلّ منهما خاصيّة لازمة تكون مقتضى ذاته من غير تخلّل جعل مستأنف بينه و بينها و هي مستدعية لأن ينزل إليه من سلطان الأزل لباسا يناسبه و يردّ عليه من المشية السابقة كسوة ملائمة فانقسم عباده الذين هم أيضا من خلقه و اختراعه إلى من سبقت له في المشيّة الأزليّة أن يستعمله لاستيقاف حكمته دون غايتها و يكون ذلك قهرا في حقّهم بتسليط الدواعي و البواعث عليهم، و إلى من سبقت لهم في الأزل