تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٦ - فصل درجات الايمان و مراتبه
و فائدة إيمانه يرجع إليه في هذه النشأة، إذ يحقن دمه من السيف و السنان و يعصم ما له و ذراريه من النهب و السبي.
و صاحب المقام الثاني مؤمن بمعنى إنّه معتقد بقلبه مفهوم هذا اللفظ، و قلبه خال عن التكذيب، و هو عقد على القلب و ليس فيه انشراح القلب لنور المعرفة، و لا انفتاح روزنته لعالم الملكوت الغيبي المقابل لهذا العالم، عالم الملك و الشهادة.
و فائدته انّه يصير منشأ بعض الأعمال الصالحة و مبدأ بعض الخيرات و أداء الأمانات و فعل الحسنات، التي ينجرّ تارة اخرى إلى إصلاح القلب و تصفيتها و ليستعد لحصول المعرفة على وجه أكمل، حتى ينتهى إلى الايمان الحقيقي.
فعلى هذا صحّ القول بأنّ الايمان هو المبدأ و الغاية، فإنّ الايمان و العمل الصالح كلّ منهما يدور على صاحبه، فكلّ ايمان موجب لصالح من العمل و كل صالح من- العمل ينجرّ إلى حصول ضرب من الايمان، فيدور كلّ منهما على نفسه دورا غير مستحيل، لتغايره بالعدد.
لكن الايمان أول الأوائل في الحدوث، و هو أيضا آخر الأواخر في البقاء.
ثمّ لهذا العقد الايماني الذي كلامنا فيه، شبه و حيل يقصد بها تحليله و توهينه تسمّى «بدعة» و له أيضا حيل يقصد بها دفع حيلة التحليل و التوهين، و يقصد بها إحكام هذه العقدة و شدّها على قلوب المسلمين و يسمّى كلاما- و العالم بها متكلّما. و هو في مقابلة المبتدع، و مقصده دفع المبتدع عن تحليل هذه العقدة عن قلوب العوام.
و صاحب المقام الثالث مؤمن، بمعنى إنّه بصير بحقائق الأمور الايمانيّة بصيرة قلبيّة و مشاهدة عقليّة. إذ قد انكشفت له أسرار الملكوت و خفايا عالم الغيب و الجبروت. لا انّه مكلّف بعقد قلبه على مفهوم هذه الألفاظ، فإنّ ذلك رتبة العوام و المتكلّمين، إذ لا يفارق المتكلّم العامي في أصل الاعتقاد، بل في صنعة تلفيق الكلام الذي يدفع به حيل المبتدعة في تحليل هذه العقدة.