تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٥ - فصل درجات الايمان و مراتبه
له لبّ و للّبّ دهن، و هو لبّ لبّه.
فالمرتبة الاولى من الايمان أن يقول الإنسان كلمة الشهادة و يعترف باللسان و قلبه غافل عنه، أو جاحد له، كما للمنافقين.
و الثانية: أن يصدّق بمعنى هذه الكلمة و بكلّ ما هو معلوم بالضرورة من الدين، كتصديق عامّة المسلمين، و هذا اعتقاد ليس بيقين.
و الثالثة أن يعرف هذه المعارف الايمانيّة و يصدّق بها عرفانا كشفيا أو تصديقا برهانيّا و علما يقينيّا بواسطة نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء من عباده، و هو المشار إليه في قوله: يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ [٥٧/ ١٢] و هذا هو الايمان الحقيقي الذي سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حارثة الأنصاري [١] عن بيان حقيقته لمّا
قال: إنّي أصبحت مؤمنا حقّا فقال صلّى اللّه عليه و آله: لكلّ حقّ حقيقة فما حقيقة إيمانك؟
فأجاب بقوله: عزفت نفسي عن الدنيا بما فيها فاستوى عندي حجرها و ذهبها.
فكأني أرى أهل الجنّة في الجنّة يتزاورون، و أهل النار في النار يتعاوون. و كأنّي أرى عرش ربّي بارزا.
فصدّقه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، و قال: أصبت فالزم.
و الرابعة أن يستغرق الإنسان في نور الحضرة الأحديّة بحيث لا يرى في الوجود إلّا الواحد القهّار فيقول بلسان حاله و إيمانه: لمن الملك اليوم؟ ثمّ يجيب عنه بلغة توحيده و عرفانه: للّه الواحد القهّار. و هذا المقام لا يحصل لأحد ما دام كونه في هذه- الحيوة الدنيا إلا للكمّل من العرفاء و الأولياء بواسطة غلبة سلطان الآخرة على بواطنهم.
فصاحب المقام الأوّل مؤمن بمجرّد اللسان في عالم الأجسام و نشأة الحواسّ،
[١] روى الحديث بألفاظ مختلفة، راجع الكافي: ٢/ ٥٤. و معاني الاخبار: ١٨٧.