تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٧ - فصل درجات الايمان و مراتبه
و صاحب المقام الرابع مؤمن بمعنى إنّه لم يحضر في شهوده غير الواحد القهّار مبدأ الأشياء و غايتها و أولها و آخرها و ظاهرها و باطنها، الذي إليه يرجع عواقب الأمور، و به ينقطع سير السائرين و سفر المسافرين، و هذه المرتبة في الايمان هي الغاية القصوى التي لا حدّ لها و لا منتهى.
و التمثيل لمراتب الايمان و التوحيد بقشري الجوز و لبّيه على هذا الوجه ذكره صاحب كتاب إحياء العلوم بأدنى تغيير ثمّ قال [١]:
فالأول كالقشرة العليا من الجوز، و الثاني كالقشرة السفلى، و الثالث كاللبّ و الرابع كالدهن المستخرج من اللبّ.
و كما إنّ القشرة العليا لا خير فيها، بل إن أكل فهو مرّ المذاق، و إن نظر إلى باطنه فهو كريه المنظر، و إن اتّخذ حطبا أطفأ النار و أكثر الدخان، و إن ترك في البيت ضيّق المكان، فلا يصلح إلّا أن يترك مدّة على الجوز للصون ثمّ يرمى فكذلك التوحيد بمجرّد اللسان عديم الجدوى، كثير الضرر، مذموم الظاهر و الباطن لكنّه ينفع مدّة في حفظ القشرة السفلى إلى وقت الموت و القشرة السفلى هي القالب [٢] و البدن و توحيد المنافق يصون بدنه عن سيف الغزاة، فإنّهم لم يؤمروا بشقّ القلوب، و السيف انما يسلب الجسم و هو القشر [٣]، و إنّما يتجرد عنه بالموت فلا يبقى لإيمانه فائدة بعده.
و كما انّ القشرة السفلى ظاهرة النفع بالإضافة إلى القشرة العليا فإنّها تصون اللبّ و تحرسه عن الفساد، و عند الادّخار فإذا فصل أمكن أن ينتفع بها حطبا لكنها ناقص القدر بالإضافة إلى اللبّ فكذلك مجرد الإعتقاد من غير كشف كثير النفع بالإضافة إلى مجرّد نطق اللسان ناقص القدر بالإضافة إلى الكشف، و المشاهدة التي تحصل بانشراح الصدر
[١] احياء علوم الدين: كتاب التوحيد (٤/ ٢٤٦) بأدنى تغيير.
[٢] المصدر: القلب.
[٣] المصدر: و السيف انما يصيب جسم البدن، و هو القشرة.