تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٠ - قوله جل اسمه سورة الفاتحة(١) آية ٧
طلبه قريب من سبعة آلاف صانع، كلّ صانع أصل من اصول الصنائع التي بها تتمّ مصلحة الخلق، ثم تأمّل في كثرة أعمال الإنسان في تلك الآلات.
حتّى أن الإبرة الصغيرة التي فائدتها خيط اللباس الذي يمنع عنك البرد لا يكمل صورتها إلّا بعد أن يمرّ على يد الإبريّ خمسة و عشرين مرّة.
ثم اعلم إنّ هؤلاء الصنّاع لو تفرّقت آراؤهم و تنافروا تنافر طباع الوحش و تبدّدها بحيث لا يحويهم مكان واحد و لا يجمعهم غرض واحد، فانظر كيف ألّف اللّه بين قلوبهم، فلأجل الإلف و تعارف الأرواح اجتمعوا و ائتلفوا و بنوا البلدان و المدن و رتّبوا المساكن و الدور و الأسواق و الخانات و ما أشبهها مما يطول شرحه.
ثمّ هذه المحبّة تزول بأغراض يزاحمون عليها و يتنافسون فيها حتّى ينجرّ إلى الحسد و الغيظ، و ذلك يؤدّى إلى التقابل و التفاسد، فانظر كيف سلّط اللّه عليهم السلاطين و أيّدهم بالقوّة و الشوكة و العدّة و الأسباب و ألقى رعبهم في قلوب الرعايا حتّى أذعنوا لها طوعا و كرها، و كيف هدى اللّه السلاطين إلى طريق إصلاح البلاد حتّى رتّبوا أجزاء المدينة كأنّها أجزاء شخص واحد يتعاون تلك الأجزاء على غرض واحد يتبع البعض منها بالبعض و رتّبوا الرؤساء و القضاة و الحكّام و زعماء الأسواق و اضطرّوا الخلق إلى قانون العدل و ألزموهم للتساعد و التعاون بذلك القانون.
فانظر كيف بعث الأنبياء حتّى أصلحوا السلاطين المصلحين للرعايا و عرّفوهم قوانين الشرع في حفظ العدل بين الخلق و قوانين السياسة في ضبطهم و كشفوا من أحكام الإمامة و الإمارة و أحكام الفقه و القضا ما اهتدوا به إلى إصلاح الدنيا فضلا مما أرشدوهم إليه من إصلاح الدين.
فانظر كيف أصلح اللّه الأنبياء بالملائكة و كيف أصلح الملائكة بعضهم ببعض إلى أن ينتهي إلى الملك المقرّب الذي لا واسطة بينه و بين اللّه فينتهي إلى حضرة الربوبيّة