تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤٥ - عقدة و حل بما ذا يتفاضل السعيد على الشقي
و القبائح و الطاعات و المعاصي و بالجملة الخيرات و الشرور كلّها مقدّرة مكتوبة علينا قبل صدورها منّا، معجونة فينا، مربوطة بأوقاتنا التي تصدر فيها عنّا، فما بالنا لا نتساوي فيها و لا نتعادل؟ و لم لا نتشاكل فيها و نتماثل؟ و كيف نحترز عمّا يجب الاحتراز عنها فننجو من وبالها و تبعاتها؟ و بأيّ شيء يتفضّل السعيد على الشقيّ و قد تساويا فيما قدّر لهما؟ و أين عدل اللّه فينا و قد قال اللّه تعالى: وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [٥٠/ ٢٩].
فنجيبك أيّها القدريّ بما قد مرّ ذكره [١] في تفسير قوله تعالى: اهدنا الصّراط المستقيم من أنّ الاستعدادات مختلفة و الصور النوعيّة الفائضة عليها من جهة الوسائط العقليّة الّتي مظاهر الأسماء الإلهيّة متنوّعة، فالأرواح الإنسيّة بحسب الفطرة الاولى متباينة و في درجات القرب و البعد من اللّه تعالى متفاوتة، و في مراتب الصفاء و النوريّة و الكدورة و الظلمة متخالفة.
و الموادّ السفليّة التي هي بإزائها أيضا متفاوتة في القرب و البعد من الاعتدال الحقيقي، فقابليّتها لما يتعلّق بها من الأرواح، متباينة و قد قدّر اللّه بإزاء كلّ روح فيضها في قضائه، ما يناسبها من الموادّ، و حصل من مجموعها استعدادات مناسبة لبعض العلوم و الإدراكات دون بعض موافق لبعض الأعمال و الصناعات دون بعض على ما قدّر لها في العناية الاولى و القضاء السابق كما
قال [٢]: «الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة»
و تتفاوت العقول و الإدراكات و الأشواق و الإرادات بحسب اختلاف الطبائع و الغرائز فينزع بعضهم بطبعه إلى ما ينفر عنه الآخر و يستحسن أحدهما بهواه، ما يستقبحه الثاني. و العناية الإلهيّة تقتضي نظام الوجود على أحسن ما يمكن.
و أما كيف السبيل إلى الاحتراز عمّا يجب الاحتراز عنه، فإنّ شريف النفس، نجيب الجوهر، طيّب الأصل، قلّما يهمّ بشيء ممّا ليس في فطرته و لم يقدّر له من
[١] راجع ص: ١١٧.
[٢] المسند: ٢/ ٥٣٩.