تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١٦ - و أما الحركة الإرادية
فقوله «و لكل وجهة هو مولّيها» إشارة إلى الحركة الغريزيّة الشوقيّة المفطورة عليها جميع المكوّنات، و قوله فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [٢/ ١٤٨] إشارة إلى هذه الحركة الإراديّة للإنسان التي بها يقع الاستباق للخيرات، و سرعة الانسياق إلى الدار الآخرة و الالتحاق بملكوت ربّنا الأعلى.
و لقائل أن يقول: إذا كان الكلّ متوجّهة إلى اللّه تعالى توجّها غريزيّا نحو الفطرة الاخرويّة و الكمال الوجودي و الفعليّة فأين الشقاوة للكفار و أهل المعاصي إذا كان الجميع من أحبّاء اللّه المفطورة على طاعة الحقّ و التقرّب منه فيلزم كون الناس كلّهم سعداء مقرّبين؟
فنقول: اعلم إنّ هذا التوجّه الغريزي للأشياء كلّها نحو مسبّب الأسباب، لا ينافي شقاوة الأشقياء و عذاب الكفار و المنافقين و العاصين فإنّ السعادة شيء، و القرب من اللّه برفع الوسائط ١٤٤ شيء آخر، و كذا يجب أن يعلم إنّ الفعليّة الوجوديّة و قوّة التجوهر الحاصلة للنفوس الإنسانيّة من جهة انسلاخها من هذا البدن و خروجها من القوّة إلى الفعل و حدّة بصرها بسبب رفع الغواشي الماديّة، لا تنافي الشقاوة الاخرويّة بل يؤكّدها فإنّ غمور النفس بهذا البدن الكثيف يوجب لها حالة كالخدر و السكر لها لأجل تلك الحالة لا يمكنها إدراك الأمور الاخرويّة من المثوبات و اللذّات التي تكون للسعداء و العقوبات و الآلام التي تكون للأشقياء.
فإذا خرجت من غشاوة الدنيا و زال عنها سكر الطبيعة و تخديرها و حان وقت أن يقع بصرها إلى ذاتها، فإن كانت من جملة الأشقياء المردودين و اطّلعت على ما اكتسبتها من النقائص و الآفات تتألّم بها أشدّ الآلام و خروجها من القوّة إلى الفعل و وجود القوّة الدرّاكة فيها و زوال مانع الإدراك عنها، يوجبان أن تطلّع على صحيفة ذاتها و ما كسبتها من السعادة أو الشقاوة فتلتذّ غاية التلذّذ أو تتألّم غاية التألّم.