تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٢ - اشارة فيها انارة ماهية الايمان و انه مجرد العلم و التصديق
فإذا تقرّرت هذه المقدّمات، فقد علم إنّ الأصل في الايمان هو المعرفة بالجنان.
و أما العمل بالأركان فإنّما يعتبر لتوقّف المعرفة على إصلاح القلب و تهذيب الباطن و تلطيف السرّ و توقّفها على فعل الحسنات و ترك السيّئات.
و مما يدلّ على أنّ الايمان مجرّد العلم و التصديق وحده امور:
الأول: إنّه تعالى أضاف الايمان إلى القلب فقال في حق المؤمنين أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٥٨/ ٢٢] و في حقّ المنافقين الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٥/ ٤١] وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [٤٩/ ١٤] و قوله: وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [١٦/ ١٠٦].
و
قال النبيّ [١] صلّى اللّه عليه و آله: الايمان سرّ و أشار إلى صدره- و الإسلام علانية.
الثاني: إنّه تعالى كثيرا ما ذكر الايمان و قرن به العمل الصالح و لو كان داخلا فيه لكان ذكره تكرارا.
الثالث: إنّ كثيرا ما ذكر الايمان و قرنه بالمعاصي قال الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [٦/ ٨٢] و قوله: وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي [٤٩/ ٩].
و احتجّ ابن عباس على هذا المطلب بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى [٢/ ١٧٨] من ثلثة أوجه: أحدها: إنّما يجب القصاص على القاتل المتعمّد، ثمّ إنّه خاطبه بالايمان فدلّ على أنّه مؤمن.
و ثانيها: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ [٢/ ١٧٨] و هذه الاخوّة ليست إلا اخوّة الايمان لقوله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ. [٤٩/ ١٠].
و ثالثها: قوله: ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ رَحْمَةٌ [٢/ ١٧٨] و هذا لا يليق إلّا بالمؤمن، و من هذا القبيل قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا جعلهم
[١] في المسند (٣/ ١٣٥): «الإسلام علانية و الايمان في القلب ...»