تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٤ - التوحيد الافعالى
و هو الأصل الذي لم يقف كافّة الخلق على كنه معناه إلّا الراسخون، و ليس عند غيرهم منه إلّا مجرد لفظه مع نوع تشبيه له بقدرتنا و هو بعيد عن الحقّ، و بيان ذلك يطول و لكن لا يتقدّم متقدّم و لا يتأخرّ متأخر إلّا بالحقّ و اللزوم. فكذلك جميع أفعال اللّه المترتّبة فإنّ لها ضربا آخر من التقدّم لبعضها على بعض، غير التقدّم المسمّى عند الفلاسفة بالتقدّم بالطبع، و غير الذي سمّوها التقدّم بالعليّة فإنّهما متّحققان بين المهيّات بعضها مع بعض بواسطة. و هذا الذي كلامنا فيه تقدّم و تأخّر بين الموجودات التي هي أنوار مترتّبة في الإفاضة عن الحقّ، أو بين مراتب تنزّلات الحقّ الأوّل، و قد سمّينا هما التقدّم و التأخّر بالحقيقة بالاعتبار الأول و التقدّم و التأخّر بالحقّ بالاعتبار الثاني، و هذا ممّا لا يظهر إلّا للخواصّ المكاشفين بنور الحقّ و لا ينفع ذكره للحمقاء الجاهلين المجانين إلّا فتنة و تحريكا لسلسلة جنونهم و حلّا لعقائد ظواهر الشريعة عن ألسنتهم و أيديهم.
و بالجملة فلو لا الترتيب بين الموجودات، لبطل النظام و لم يكن الغايات مترتّبة على الأشياء و لكان فعل اللّه على ذلك التقدير الذي توهّمه جماعة من الناس كأصحاب أبي الحسن الأشعري و غيرهم عبثا و هذارا و هباء و لعبا قال تعالى وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما لاعِبِينَ* ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ [٤٤/ ٣٨- ٣٩].
فكلّ ما بين السماء و الأرض على ترتيب واجب و حقّ لازم لا يتصور أن يكون إلّا كما حدث و على الترتيب الذي حدث فما تاخّر متاخّر إلّا لانتظار ما يتوقّف عليه و يشترط به و الموقوف بعد الموقوف عليه و الشرط قبل المشروط.
و عكس هذا الترتيب و خلافه محالان و المحال لا يوصف بكونه مقدورا فلا يتاخّر العلم عن النظر إلا لفقد شرط الحيوة، و لا يتاخّر عنها الارادة بعد العلم إلّا لفقد شرط العلم و كل ذلك على منهاج الواجب و ترتيب الحقّ ليس في شيء من ذلك لعب و اتّفاق، بل كل ذلك بحكمة و تدبير.
و تفهيم ذلك عسير على الأفهام غير يسير و للفرق بين سبب به و سبب منه و إطلاق