تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠٠ - فصل مبدأ الخير و الشر
و قد مرّ في المفاتيح [١] انّه من الواجب في الحكمة أن يكون في العالم مظاهر جميع الصفات الإلهيّة فلا بدّ لكل من الوصفين المتقابلين من مظهر فالكفر و نتائجه و مباديه كالشياطين و من ضاهاهم من الأشرار مظاهر القهر و الغضب و الايمان و نتائجه و مباديه كالملائكة و من والاهم من الأخيار مظاهر اللطف و المحبّة. ثمّ لا اعتراض في تخصيص كلّ بما يخصّه لان هذا الترتيب من لوازم الوجود و الإيجاد.
فإن قلت: ما ذكرته من التوحيد في الأفعال متحقّق ظاهر مهما ثبت انّ الوسائط و الأسباب مسخّرات، و كلّ ذلك ظاهر إلّا في أفاعيل الإنسان و حركاته، فإنّه يتحرك إن شاء و يسكن إن شاء فكيف يكون مسخّرا في فعله.
فنقول: اعلم إنّه لو كان الإنسان مع هذا بحيث يشاء إن شاء و لا يشاء إن لم يشاء، لكان هذا مزلّة القدم و موقع الغلط و لكن علمته إنّه يفعل إذا شاء و ما يشاء يشاء شاء أم لم يشاء.
فليست المشيّة إليه إذ لو كانت إليه لافتقرت إلى مشيّة اخرى و تسلسل الأمر إلى غير النهاية و إذا لم يكن المشيّة إليه بل مهما وجدت المشيّة التي شأنها تصريف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة محرّكة ضرورة عند انجزام المشيّة، و المشيّة تحدث ضرورة في القلب، فهذه ضروريات مترتّبة بعضها على بعض، و ليس للعبد أن يدفع وجود المشيّة و لا انصراف القدرة و انبعاثها إلى المقدور بعدها و لا وجود بعث المشيّة للقدرة فهو مضطرّ في الجميع.
فإن قلت: فهذا جبر محض و الجبر يناقض الإختيار، و أنت لا تنكر الإختيار و كونه سببا للفعل، لا كما زعمته الأشاعرة القائلين بوجود الاختيار من غير أن يكون له سببيّة
[١] راجع المشهد الثاني و الثالث من المفتاح السابع.