تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٩ - فصل مبدأ الخير و الشر
و أمّا حلّ الشبهة فهو إنّ الفائض من الباري جلّ اسمه ليس إلّا نور الوجود و الرحمة و هذا النور ينقلب ظلمة من جهة خصوصيّة بعض القوابل المظلمة بواسطة هيئات ردية غاسقة كالشمس التي شأنها الإضاءة و التنوير للأشياء المحاذية لها و إفادة الحيوة و إنعاش الحرارة الغريزيّة للمركّبات لكنها قد يوجب اسوداد بعض الأجسام و تعفين بعض الموادّ الفاسدة لخصوصيّة عروض الهيئات المفسدة العائقة لها عن قبول الصلاح و الاعتدال و الحكماء ذكروا في رفع شبهة الثنويّة انّ الأشياء على خمسة احتمالات.
أحدها: الخير الذي لا شرّ فيه أصلا.
و الثاني: الشرّ الذي لا خير فيه أصلا.
و الثالث: ما يكون خيريّته غالبة على الشريّة.
و الرابع: عكس ذلك.
و الخامس: ما يتساوى فيه الأمران و ذات الواجب الخيّر لمّا لم يجز أن يصير مبدءا للشرور وجب أن لا يصدر عنه من هذه الأقسام إلّا قسمان، أي الأول الذي لا شريّة فيه و القسم الثالث الذي خيريّته غالبة على شريّته لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير.
فنقول: الثنويّة القائلة بأن اللّه لا يصير مبدءا لما فيه شرّ أمكن إلزامهم و قد تفاخر أرسطو وزير إسكندر الرومي الملقّب عندهم بالمعلم الأول بذلك الكلام. فإن قال قائل: انّه فقد جاز أن يصدر عن الأول تعالى خيرا محضا مبرءا عن الشر؟ فيقال: إنّ هذا لم يكن جائزا في مثل هذا القسم من القسمين المذكورين و إن كان جائزا في الوجود المطلق على أنه ضرب منه غير هذا الضرب، و ذلك ممّا قد فاض عنه تعالى كالموجودات العلويّة و الملائكة السماويّة و النفوس الشريفة و العقول القادسة، و بقي هذا النمط في الإمكان و لم يمكن ترك إيجاده لأجل ما يخالطه من الشرّ، لما علمت من أن تركه شرّ الشرّين فكونه خير الشرّين فالكلّ من عند اللّه.