تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٠١ - فصل مبدأ الخير و الشر
و هو المسمّى عندهم بالكسب.
قلت: لو انكشف لك الغطاء، لعرفت إنّ الإنسان في عين الاختيار مجبور فهو إذن مجبور على الإختيار و إنّه مضطرّ في صورة مختار. و هذا كما
ورد في الحديث الذي مرّ ذكره عن الصادق عليه السلام [١]: «لا جبر و لا تفويض بل أمر بين أمرين»
و هذا معنى ما قيل:
الوجوب بالاختيار لا ينافي الإختيار بل يؤكّده، يعنى: إنّ الاضطرار في الاختيار يؤكّد وجود الاختيار، لأن الشيء ما لم يجب وجوده لا يوجد، فالاختيار أيضا من جملة الأشياء الممكنة التي في وجودها أن يصير أولا واجبا حتّى يتحقّق، و إذا وجب الاختيار حتّى يوجد، فقد سبقه الاضطرار المؤكّد لوجوده.
و إن أردت أن تفهم معنى الاختيار، فإنّ أكثر الناس جاهلون بمعناه فلنشرح إيّاه شرحا وجيزا فنقول: لفظ الفعل يطلق في الإنسان على ثلثة أوجه، إذ يقال: الإنسان يكتب بالإصبع و يتنفّس بالرئة و الحنجرة، و يخرق الماء إذا وقف عليه بجسمه، فهذه أنحاء من أفاعيله في هذا العالم- عالم الشهادة- و له ضروب اخرى من الفعل في عالم الغيب ليس هذا المقام موضع بيانه، فإذن ينسب إليه هاهنا الخرق في الماء و التنفّس و الكتبة، و هذه الثلاثة في حقيقة الاضطرار و الجبر واحد و لكنّها تختلف وراء ذلك في امور اخرى، فاعرب لذلك عنها بعبارات ثلاث: فسمّى خرقه للماء- عند وقوعه على وجهه- فعلا طبيعيا، و سمّى تنفّسه فعلا إراديّا و سمّيت كتبته فعلا اختياريّا، و الجبر ظاهر في الفعل الطبيعي لأنه مهما وقف على وجه الماء انخرق لا محالة فيكون الخرق بعد التخطّى من سطح الماء إلى الماء ضروريا و التنفّس في معناه، فإن نسبة حركة الحنجرة إلى ارادة التنفّس كنسبة خرق الماء إلى ثقل البدن، فمهما كان الثقل موجودا وجد الانخراق بعده و ليس الثقل إليه، فكذلك ليست الإرادة و لذلك إذا قصد عين الإنسان
[١] مضى في ص: ٣٤٣.