تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧١ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
فعمّرت الداران و سبقت الرحمة الغضب و وسعت كل شيء- جهنم و من فيها- و اللّه أرحم الراحمين كما قال عن نفسه.
و قد وجدنا في نفوسنا ممّن جبّلهم اللّه على الرحمة أنّهم يرحمون جميع عباد اللّه، حتّى لو حكّمهم اللّه في خلقه لأزالوا صفة العذاب من العالم، ممّا تمكّن حكم الرحمة من قلوبهم و صاحب هذه الصفة أنا و أمثالي- و نحن مخلوقون أصحاب أهواء و أغراض- و قد قال عن نفسه جلّ علاؤه: انّه ارحم الرّاحمين، فلا يشك إنّه أرحم منّا بخلقه، و نحن عرفنا من نفوسنا هذه المبالغة في الرحمة فكيف يتسرمد العذاب عليهم و هو بهذه الصفة العامة؟ إنّ اللّه أكرم من ذلك و لا سيّما و قد قام الدليل العقليّ على أنّ الباري لا ينفعه الطاعات و لا يضرّه المخالفات، و أنّ كلّ شيء جار بقضائه و قدره و حكمه و أنّ الخلق مجبورون في اختيارهم.
و قد قام الدليل السمعي أنّ اللّه يقول في الصحيح: «يا عبادي» فأضافهم إلى نفسه و ما أضاف قطّ العباد إلى نفسه إلّا من سبقت له الرحمة و أن لا يؤبد عليهم الشقاء
فقال: «يا عبادي لو إنّ أولكم و آخركم و إنسكم و جنّكم اجتمعوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو إنّ أولكم و آخركم و إنسكم و جنّكم اجتمعوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص من ملكي شيئا».
فقد أخبر بما دلّ عليه العقل أنّ الطاعات و المعاصي ملكه و أنّه على ما هو عليه لا يتغيّر و لا يزيد و لا ينقص ملكه مما طرأ عليه و فيه، فإنّ الكلّ ملكه و ملكه.
ثم قال من تمام هذا الخبر الصحيح: يا عبادي لو إنّ أولكم و آخركم و إنسكم و جنّكم قاموا في صعيد واحد فسألونى فأعطيت كلّ واحد منكم مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئا. الحديث.
و ما نشكّ انّه ما من أحد إلّا و هو يكره ما يولمه طبعا فما من أحد إلّا و قد سأله أن لا يولمه و أن يعطيه اللذّة في الأشياء و لا يقدح ما أومأنا إليه في الحديث إذا تعلّق به المنازع