تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٩ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
بالتكليف فتتّصف بطاعة أو معصية.
فاتّفق أن كانت جموحا اقتضاه طبعها لمزاج خاصّ فاعلم ذلك. و ان اللّه يعمّ برحمته الجميع لأنّها سبقت غضبه لما تجاريا إلى الإنسان» انتهى كلامه.
و قال في الباب الخامس و ثلاثمائة من الفتوحات أيضا: [١] و اعلم إنّ من الأحوال التي هي الامّهات من هذا الباب ... أحوال الفطرة التي فطر اللّه الخلق عليها و هو أن لا يعبدوا إلّا اللّه كما قال وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فبقوا على تلك الفطرة في توحيد اللّه، فما جعلوا مع اللّه مسمّى آخر هو اللّه بل جعلوا آلهة على طريق القربة إلى اللّه و لهذا قال قُلْ سَمُّوهُمْ فإنّهم إذا سمّوهم بان أنّهم ما عبدوا إلّا اللّه. فما عبد عابد إلّا اللّه في محل الذي نصب الالوهيّة له، فصحّ بقاء التوحيد للّه الذي أقرّوا به في الميثاق و انّ الفطرة مستصحبة.
و السبب في نسبة الالوهيّة لهذه الصور المعبودة، هو إنّ الحقّ لمّا تجلّى لهم في أخذ الميثاق تجلّى لهم في مظهر من المظاهر الإلهيّة فذلك الذي أجرأهم على أن يعبدوه في الصور.
و من قوّة بقائهم على الفطرة، أنّهم يعبدوه [ما عبدوه المصدر] على الحقيقة في الصور و إنّما عبدوا الصور لما تخيّلوا [تجملوا- ن] فيها من رتبة التقرّب كالشفعاء و هاتان الحقيقتان إليهما مال الخلق في الدار الآخرة و هما الشفاعة و التجلّي في الصور على طريق التحوّل.
فإذا تمكّنت هذه الحالة في قلب الرجل و عرف من العلم الإلهي ما الذي دعى هؤلاء الذين صفتهم هذا و انّهم تحت قهر ما إليه يؤولون، تضرّعوا إلى اللّه في الدياجير و تملّقوا له في حقّهم و سئلوه أن يدخلهم في رحمته إذا أخذت منهم النقمة حدّها، و إن كانوا عمّار تلك الدار فيجعل لهم فيها نعيما به إذا كانوا من جملة الأشياء التي وسعتهم الرحمة العامّة و حاشى الجناب الالهي من التقيّة و هو القائل بأنّ رحمته سبقت غضبه فلحق الغضب بالعدم
[١] الفتوحات المكية، ٣/ ٢٤.