تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٣ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
الجنّة و النار و الأعراف، الذي بينهما على ما نطق به الكلام الإلهى.
و لكل منها اسم حاكم عليه يطلب بذاته أهل ذلك المقام لأنه [لأنهم- المصدر] رعاياه، و عمارة الملك بهم، و الوعد شامل للكلّ، إذ وعده في الحقيقة عبارة عن إيصال كلّ واحد منّا إلى كماله المعيّن له أزلا، فكما إنّ الجنّة موعود بها، كذلك النار و الأعراف موعود بهما. و الإيعاد أيضا شامل للكلّ، فإنّ أهل الجنة إنّما يدخلونها بالجاذب و السائق قال تعالى وَ جاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَ شَهِيدٌ و الجاذب المناسبة الجامعة بينهما بواسطة الأنبياء و الأولياء، و السائق هو الرحمن بالايعاد و الابتلاء بأنواع المصائب و المحن.
كما انّ الجاذب إلى النار المناسبة الجامعة بينها و بين أهلها، و السائق الشيطان فعين الجحيم موعود لهم لا متوعّد بها.
و الوعيد هو العذاب الذي يتعلّق بالاسم المنتقم و يظهر أحكامه في خمس طوائف لا غير. لأن أهل النار إما مشرك أو كافر أو منافق أو عاص من المؤمنين، و هو ينقسم بالموحّد العارف الغير العامل و المحجوب. و عند تسلّط سلطان المنتقم عليهم. يتعذّبون بنيران الجحيم كما قال تعالى: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها [١٨/ ٢٩] و قالوا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ [٤٣/ ٧٧] فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ [٢/ ٨٦] و قال:
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [٤٣/ ٧٧] اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ [٢٣/ ١٠٨] فلما مرّ عليهم السنون و الأحقاب و اعتادوا بالنيران و نسوا نعيم الرضوان، قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [١٤/ ٢١] فعند ذلك تعلّقت الرحمة بهم و رفع عنهم العذاب.
مع إن العذاب بالنسبّة إلى العارف الذي دخل فيها بسبب الأعمال التي تناسبها عذب من وجه و إن كان عذابا من آخر كما قيل: و تعذيبكم عذب- البيت.
لأنه يشاهد المعذّب في تعذيبه فيصير التعذيب سببا لشهود الحقّ و هو أعلى ما يمكن من النعيم حينئذ في حقّه.