تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢٧ - فصل رد احتجاجات المجبرة
عدله و حكمته، أن يجمع الأنبياء و المرسلين و الملائكة المقرّبين و عباده الصالحين فيخلّدهم في الجحيم و العذاب الأليم أبد الآبدين، و يجمع الكفّار و الملحدين و الزنادقة و المنافقين و إبليس و الشياطين و يخلّدهم في الجنة و النعيم دهر الداهرين. و زعموا ذلك إنصافا منه و عدلا، و ركبوا في ذلك مكابرة و جهلا و لعلّه قد كان لهم سلف صدرت منهم كلمات على سبيل الرمز و الإشارة و ما بلغت عقول هؤلاء على كنه أقوال أولئك الأوائل، أو كان في عقول طائفة من رؤسائهم جهل و سفه أوجب مثل هذا الاعتقاد، و جاء الخلف مقلّدوا للسلف محبّا للمنشأ و سنّة الآباء، كما حكى اللّه عن أشباههم من الأخلاف الذين قلّدوا آراء الأشياخ و الأسلاف حيث ذكر إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [٤٣/ ٢٢] أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ [٢/ ١٧٠].
و إن كان ذلك كذلك فأيّ عذر بقي للمتأخّرين من الأحياء و الأبناء في اتّباع السلف و الآباء على الضلال في أمر لا يخفى على أدنى العقلاء؟ فما أحسن ما يقرءونه في كتابهم:
ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [٦/ ٩١] لا و اللّه ما قدروا حقّ قدره، و لا هذا قدر جلالته و عظمته، و لا جزاء إحسانه و نعمته.
و العجب أنّهم زعموا إنّ هذا ما عليه أكابر العرفاء و محقّقوا الصوفيّة من القول بالتوحيد الأفعالي و ليس كذلك، كما يظهر من تتبّع كلماتهم و تصفّح مقالاتهم، قال الشيخ العظيم محيى الدين الأعرابى في الباب التاسع عشر [و ثلاثمائة] من الفتوحات المكيّة [١]: «إنّ رافع الأسباب سيّء الأدب مع اللّه، و من عزل من ولّاه اللّه تعالى فقد أساء الأدب و كذّب من عزل [٢] ذلك الوالي فانظر ما أجهل من كفر بالأسباب و قال بتركها، و من ترك ما قرّره الحقّ فهو منازع لا عبد، و جاهل لا عالم، و اني أعظك أن تكون من الجاهلين، و أراك في مذهب
[١] الفتوحات المكية (٣/ ٧٣) مع اختلافات أشرنا الى ما أهم منها.
[٢] المصدر: في عزل.