تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٤ - مكاشفة الصراط و مرور الإنسان عليه
قد يخرج على غير الوجه الذي يقتضى تكوين النشأة الحيوانيّة منه. فإذا دخل في باب الحيوانيّة تضاعفت حاجته إلى الحفظ و التربية و الصيانة و الحراسة من الآفات و المضادّات لواحد واحد من أعضائه و قواه الحيوانيّة بعد قواه النباتية فهو مفتقر إلى الهداية و التوفيق و نعمة السلامة و الحراسة و الرعاية في كل مرتبة مرتبة و صورة صورة و نشأة نشأة إلى حال مسقط النطفة و حال الولادة، فهو مفتقر إلى أن يخرجه اللّه مخرجا صدقا و يدخله مدخلا كريما من حيث ظاهره و باطنه.
فالمختصّان بمسقط النطفة حال التوليد من أحكام الزمان و المكان شاهدان طيّ كثير من أحواله الباطنة، و المختصّان بمسقط الرأس حال الولادة شاهدان على معظم أحواله الظاهرة و سرّ الابتداء في السلوك إلى جانب الحق. فالعادة الإلهيّة جارية بأنّ من اختصّ بمزيد العناية و نعمة الحراسة و أثر الإختصاص من بداية أمره و شروعه من منبع المشيّة الإلهيّة إلى هذا المقام و هو مقام العقل و التكليف و الدعوة أن يهديه إلى صراطه و يسوقه إلى تمام النعمة و غاية الحكمة و غاية الإيجاد و زينة المعاد [العباد- ن] و صورة الكمال الوجودي. فأين من يكون أحديّ السير من حين صدوره من غيب الحقّ إلى عرصة الوجود العيني و النزول الكوني لم يتعوق من حيث حقيقته و روحانيّته في عالم من العوالم و نشأة من النشآت و حضرة من الحضرات ممن يتعوّق و يتردّد لتصادم الموانع و الآفات، و يتكرّر ولوجه و خروجه المقتضيان لكثافة حجبه و كثرة تقلّبه في المحن و العوائق- نعوذ باللّه منها.
فقوله تعالى: اهدنا الصّراط المستقيم، بيان للمعونة المطلوبة في الآية السابقة فكأنّه قال: كيف أعينكم؟ فقالوا: اهدنا فهذه الآية و ما يتلوها كالأجوبة لاسئلة ربّانية كما قال بعض العرفاء: [١] فكأنّ لسان الربوبيّة ١٠١ يقول عند قول العبد اهدنا الصراط: أيّ صراط تعنى؟ فالصراطات كثيرة و كلّها لي لما تقرّر و اشتهر انّ الطرق إلى اللّه بعدد أنفاس
[١] اعجاز البيان للقونوى: ٤٤٨.