تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٢ - مكاشفة الصراط و مرور الإنسان عليه
يمكن إدراكه بالحدس و التجربة لما نشاهد من كلّ موجود نراه شوقا إلى ما هو أعلى منه و حركة إلى ما يشتاقه و يتمنّاه و معاد كلّ موجود إلى ما هو مبدأه و مرجعه إلى ما هو منشأه و كلّ ما هو أعلى مبدءا يكون أرفع غاية و أشرف مآبا و مرجعا فمرجع العنصر إلى العنصر كماء المطر انفصل من البحر أولا و اتّصل به ثانيا كان بحرا ثمّ بخارا، ثمّ انعقد سحابا، ثم تقاطر أمطارا، ثم جرى عيونا و أنهارا، ثمّ اتّصل بالبحر فصار بحرا كما كان بعد أن تطوّر أطوارا و كذا مرجع النبات مع زيادة منزلة و بركة كحال الحبّة في تقاليب الأطوار إلى أن يبلغ مرتبة الثمار فيبتدي أوّلها و هو لبّ يدفن في الأرض و كاد أن يفسد و يغيب عن ذاته في الأماكن الغريبة، ثمّ أفادها اللّه قوّة محرّكة يستحيل بها من حال إلى حال حتّى ينتهى إلى كمالها الأصلى فيبلغ إلى درجة اللبّ الذي كانت عليها في بدؤ أمره مع أعداد كثيرة من أفراد نوعه و فوائد زائدة من القشور و الأنوار و الأوراق و الأزهار. و كذلك حال الحيوان فهو أعظم قوسا في العروج إلى اللّه و أبعد نزولا و صعودا من النبات و صورة الأركان ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [١١/ ٥٦] و أمّا الإنسان- أي الحقيقي لا الصوري- فهو الغاية و المقصود الأصلي من جميع الخلائق و الأكوان و لأجله خلقت المكوّنات و ترتّبت الموجودات و نشأت المواليد و الآباء و الامّهات. فمنازل سيره و صعوده إلى اللّه واقعة على النصف الصعودي لدائرة الإمكان على عكس مراتب نزوله من عند اللّه الواقعة على النصف النزولي لهذه الدائرة، و ذلك لأن اللّه مبدأه و معاده و هو المهتدي المنعم عليه المعتنى به من أوّل الأمر إلى آخر العهد فلم يزل الإنسان الذي سبقت له المشيّة الأزليّة أن يستعمله اللّه لسياقة حكمته إلى غايتها منظورا إليه في سائر مراتب الاستيداع من حيث أفراد الإرادة المنبعثة عن العلم الأزلي في مقام العلم الأعلى العقلي، ثمّ في مقام اللوح النفسي ثمّ في مرتبة الطبيعة باعتبار