تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠١ - مكاشفة الصراط و مرور الإنسان عليه
وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [٢٩/ ٦٩] فالمطلوب هاهنا إمّا زيادة ما منحوه من الهدى أو الثبات عليه أو حصول المراتب المرتّبة عليه، فإذا قال العارف الواصل: اهدنا عنى أرشدنا طريق السير فيك لتمحو عنّا ظلمات أحوالنا و تميط غواشي أبداننا لنستضيء بنور قدسك فنراك بنورك.
مكاشفة [الصراط و مرور الإنسان عليه]
اعلم إنّ معرفة حقيقة الصراط و استقامتها و المرور عليه و الضلال عنه من المعارف القرآنيّة التي يختص بدركها أهل المكاشفة و المشاهدة و ليس لغيرهم من سائر المسلمين إلّا مجرّد التصديق و الإذعان به تسليما و ايمانا بالغيب لا ببصيرة حاصلة من نور اليقين و نعم ما قيل: من لا كشف له لا علم له.
و اللمعة اليسيرة من هذا العلم:
هي إنّ الموجودات الممكنة منقسمة إلى قائمة و متحركة. و العبارة من الاولى عالم الأمر و القضاء و الإرادة وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ [٥٤/ ٥٠] و منه نشأ الملائكة المقرّبون القائمون بأمره تعالى في منازلهم و مراتبهم المفطورون على كمالهم الأصلي، لا يتعدّونه كل له مقام معلوم منهم سجود لا يركعون و منهم ركوع لا يسجدون. و العبارة من الثانية عالم الخلق و الفعل ٩٨ و التقدير. قال: كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [٢١/ ١٠٤] و عالم الخلق دائم الحركة و الانتقال و الحدوث و الزوال و نحن قد أقمنا البرهان على تجدّد الطبائع الجسميّة و سيلان الجواهر الماديّة برهانا قطعيّا و بيّنا إن غاية جميع هذه الحركات و الانقلابات الإراديّة و الطبيعيّة هو اللّه تعالى و انّ جميع الموجودات العالية و السافلة يتوجّهون نحوه و يولّون شطره بما يسرى إليهم من نور عشقه و فيض رحمته. و هذا المعنى ممّا