تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٨ - فصل عذاب الكفار و خلودهم في النار
أراد الراكب أن يردّها إلى الطريق جمحت و حرنت عليه و أخذت يمينا و شمالا لقوّة رأسها و سوء تركيب مزاجها.
فالنفس الحيوانيّة ما تقصد المخالفة و لا تأتي المعصية انتهاكا لحرمة الشريعة و إنّما تجرى بحسب طبعها لأنّها غير عالمة بالشرع و اتّفق انّها على مزاج لا يوافق راكبها على ما يريد منها.
و النفس الناطقة لا يتمكن لها المخالفة لأنّها من عالم العصمة و الأرواح الطاهرة، فإذا وقع العقاب يوم القيمة فإنّما يقع على النفس الحيوانيّة كما يضرب الراكب دابّته إذا جمحت و خرجت عن الطريق الذي يريد صاحبها أن يمشي بها عليه.
ألا ترى الحدود في الزناء و السرقة و الافتراء إنّما محلّها النفس الحيوانيّة البدنيّة، و هي التي تحسّ بألم القتل و قطع اليد و ضرب الظهر، فقامت الحدود بالجسم و قام الألم بالنفس الحسّاسة الحيوانيّة التي يجتمع فيها جميع الحيوان المحسّ للآلام.
فلا فرق بين محلّ العذاب من الإنسان و بين جميع الحيوان في الدنيا و الآخرة.
و النفس الناطقة على شرفها مع عالمها في سعادتها دائمة ألا ترى
أنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله قد قام لجنازة يهوديّ فقيل له: إنّها جنازة يهودي. فقال: أ ليست نفسا [١]. فما علّل بغير ذاتها فقام إجلالا و تعظيما لشرفها و مكانتها.
و كيف لا يكون لها الشرف و هي منفوخة من روح اللّه فهي من العالم الأشرف الملكي الروحاني، عالم الطهارة فلا فرق بين النفس الناطقة [٢]- الموجودة لكل أحد و انّها ما عصت و إنما النفس الحيوانيّة ما ساعدتها على ما طلبت منها و انّ الحيوانيّة خوطبت- [٣]
[١] البخاري: كتاب الجنائز: ٢/ ١٠٩.
(٢، ٣) جاء بدلا منها في المصدر: مع هذه النفس البدنية الحيوانية و بين الراكب على الدابة في الصورة- فاما جموح و اما ذلول- فقد بان لك ان النفس الناطقة ما عصت و انما النفس الحيوانية ما ساعدتها على ما طلبت منها، و ان النفس الحيوانية ما خوطبت ...