تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١١١ - فصل في تحقيق الصراط و استقامته
إنّك معروف في كلّ صورة إنّك انت لا غيرك كما انّك تعلم انّ زيدا في تنوّعه في كيفياته من خجل و وجل و مرض و عافية و رضى و غضب و كل ما يتقلب فيه من الأحوال انه زيد لا غير و كذلك الامر في كل احد.
فصل [في تحقيق الصراط و استقامته]
اعلم إن الصراط لا يكون صراطا إلا بمرور المارّة عليه. و قد مرّت الإشارة إلى أنّ الخلائق كلّها متوجّهة شطر الحقّ توجّها غريزيّا و حركة جبليّة نحو مسبّب الأسباب و في هذه الحركة الجبليّة لا يتصوّر في حقّهم الضلال و الانحراف عمّا عيّن اللّه لكلّ منهم و اللّه آخذ بناصيته كما قال اللّه ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [١١/ ٥٦].
و ما من موجود في عالم الخلق إلّا و هو حيوان ماش فيكون دابّة. و كل دابّة فالربّ آخذ بناصيتها و عليه رزقها و يعلم مستقرّها و مستودعها كما قال تعالى: ما مِنْ دَابَّةٍ (فِي الْأَرْضِ) إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَ يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَ مُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ فتكون مفطورة على المشي على نهج الاستقامة من غير ضلال و أمّا المسمّى إنسانا فلوجود الاختيار المخالف للطبع فيه و مزاحمة قوّة الوهم الذي يعتريه يتصور في حقّه الضلال و الغواية و النكال و الغباوة من جهة حركاته الاختياريّة المورثة له قربا أو بعدا من اللّه المثمرة له سعادة أو شقاوة في الدار الآخرة فيحتاج إلى من يهديه و يذكّر له العهد القديم و يثبّته على الصراط المستقيم.
فالهادي هو اللّه بالحقيقة بواسطة الكتاب و الرسول صلّى اللّه عليه و آله و من يقوم مقامه من الأئمة الهداة عليهم السلام فيختصّ الإنسان من بين سائر المخلوقات بأن هداه اللّه بالهدايتين الكونيّة و الوضعيّة من جهة حركتيه الاضطراريّة و الاختياريّة و جمع لأجله بين الدعوتين