تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٩ - فصل الإنسان أشرف الخلائق
المحبوب، فالنفوس التي لا يكون بينها و بين الحقّ واسطة ينجذب إلى جنابه طبعا كانجذاب إبرة من حديد إلى مقناطيس لا يتناهى قوّته و هذه النفوس هي العرفاء باللّه حقّا و قوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٥/ ٥٤] ١١١ كناية عن أهل اللّه العارفين به.
و إنّما عرفه هؤلاء معرفة حقيقية و ايمانا كشفيّا و إحسانا لأنّهم الذين وقع لهم التجلّي في الأزل بالذات و لغيرهم بالعرض، فاستغرقوا بكليّتهم في معرفته عند قوله: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [٧/ ١٧٢] ١١٢ و أجابوا بقولهم بَلى ايمانا و إيقانا لا تكلّفا و تقليدا أو مجازفة ١١٣ و نفاقا.
و لقد أفصح عن هذا المعنى شيخ الطائفة عبد اللّه الأنصاري حيث قال: «إلهي تلطّفت لأوليائك ١١٤ فعرفوك و لو لا تلطّفت لأعدائك لما جحدوك» فهذه حكم النفوس التي لم تكن بينها و بين الحقّ واسطة في البداية فلا جرم ١١٥ هم المجذوبون إليه تعالى الواصلون إليه في النهاية و غيرهم إما سالكون أو واقفون ١١٦ بالعوائق البدنيّة أو مردودون ١١٧ إلى أسفل سافلين بالعقائد المهلكة الشيطانيّة.
فقد قارن الحقّ سبحانه بين السالك و المجذوب في العطاء و النصيب فقال عزّ من قائل: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [٤٢/ ١٣] ١١٨ و قد وقع التنبيه منه صلّى اللّه عليه و آله على هذا المعنى
فقال في جنازة واحد من أصحابه:
اهتزّ عرش الرحمن لموته [١].
و
قال في حقّ طائفة اخرى لما ذكر: «إن الموت ينتقي خيار الناس، الأمثل فالأمثل حتّى لا يبقى إلا حثالة كحثالة التمر أو الشعير لا يبالى اللّه بهم [٢]».
فأين من يهتزّ بموته عرش الرحمن ممّن لا يبالى اللّه به أصلا فكما هو الأمر آخرا فكذا هو الأمر أولا. بل الخاتمة عين الرجوع إلى السابقة فافهم و اغتنم.
[١] روى انه (ص) قاله في موت سعد بن معاذ، راجع البخاري: باب مناقب الأنصار: ٥/ ٤٤.
[٢] جاء ما يقرب منه في البخاري: كتاب الرقاق: ٨/ ١١٤.