ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٨١
فحاول(صلى الله عليه وآله) بعد ذلك محاولة أخرى لإتمام هذا الأمر بعد أن يئس من تسليمهم بولاية عليّ(عليه السلام) عليهم من بعده وكتابة ذلك في محضرهم، فقام(صلى الله عليه وآله) بإخراجهم وإبعادهم عن المدينة لغزو الروم لعلمه بقرب أجله، فأرسلهم إلى مؤتة وأمّر أسامة بن زيد على شيوخ قريش ــ وهو الفتى والمولى الأسود الذي كان يناهز الثامنة عشر من عمره ــ صارخاً في وجوههم، آمراً بإسراعهم وإنفاذهم، منكراً عليهم تأخّرهم وتخلّف بعضهم، مرغماً بذلك أنوفهم، كاسراً لكبريائهم، مبيّناً لهم واقعهم وحقيقة مكانتهم بعد أن أمّر عليهم عمرو بن العاص قبل ذلك، مهيّئاً الظرف، وممهّداً للضربة القاصمة للظهر الفاضحة للمتكبّر المعاند الجبّار؛ ليتمّ أمر الله ويستتب وفقاً لإرادته التشريعية (وتعالى سبحانه) دون احتكاك أو اعتراض أو تعكير أو تدخّل أو امتعاض أو مواجهة أو رمي للنبيّ(صلى الله عليه وآله) بهجر أو هذيان، فيتحقق حينئذ أمر الله تعالى على أرض الواقع، فيؤدّي النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذلك ما يراه حقّاً للأمّة وواجباً عليه من إرشادهم وهدايتهم على أتم وجه ممكن، لحرصه الشديد(صلى الله عليه وآله) على أمّته المسكينة خوفاً عليها من الضياع والضلال من بعده، ووقوعها فريسة سهلة للذئاب التي تحيط بها، محذّراً العامّة من اتّباع سادتهم وكبرائهم كما حذّرهم تعالى من فعل ذلك بقوله عزّ من قائل: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً}[١]، ولطالما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يحذّرهم وينذرهم من وقوعهم في ذلك كما في الأمم السابقة بمثل قوله(صلى الله عليه وآله) لهم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتّى إذا دخلوا جحر ضب تبعتموهم! قالوا: اليهود والنصارى؟ قال(صلى الله عليه وآله): فمن؟!)[٢].
وتحذيره(صلى الله عليه وآله) لأمّته من الأئمة المضلّين وخوفه عليهم منهم أكثر من الدجال
[١] الأحزاب: ٦٧ ــ ٦٨. [٢] صحيح البخاري (٨/١٥١).