ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ١٩٢
بنفسك منذ ساعات معنا! وكيف جئتنا بعشرات الأدلة التي تحاول من خلالها عدم نسبة الخطأ لهم وصدورها عنهم! فهم كما ترى يقلبون الموازين الشرعية وينزّهون ويعصمون ويبررون لمن لم يستطيعوا القول والجهر بعصمته، وينالون ويصرّون على إثبات المخالفات والمعاصي وارتكابها وصدورها وإلصاقها بمن نزّههم الله تعالى عنها وعصمهم وأجمعت الأمّة على ذلك!! فما لهم كيف يحكمون؟!!
ففاجئني كلام السيّد هذا!! وأثّر بي كثيراً، وقررت فوراً بأن لا أنسب لأنبياء الله تعالى ورسله أيّ خطأ وأيّ معصية بعد اليوم، فقد قامت عليّ الحجّة البالغة.
وقد أفادنا السيّد محمّد سعيد الحكيمa بمصطلحات جديدة ومهمّة تحلّ كثيراً من ألغاز ومشاكل موضوع العصمة وفهمه بشكل جيّد ودقيق، وهو قاعدة ارتكاب خلاف الأولى بدل نسبة الخطأ والمعصية، وكذلك مسألة الأمر الإرشادي واختلافه عن الأمر التشريعي، وبه تفسّر بعض الأوامر كنهي آدم(عليه السلام) عن الأكل من تلك الشجرة وما إلى ذلك، وأنّ الأمر الإرشادي هو عبارة عن نصيحة يتضرر الإنسان بمخالفتها ضرراً آنياً دنيوياً لا علاقة له بالتكاليف الشرعية له فلا تثبت بذلك المعصية! فنستطيع فهم قصص الأنبياء وبعض إطلاقات القرآن الكريم عليهم من خلال هذين المصطلحين بشكل صحيح وخال عن نسبة الخطأ والمعصية ونفي صدور مثل هذه النقائص عنهم عليهم الصلاة والسلام، وبذلك نفهم استغفارهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله تعالى وما إلى ذلك بأنّهم(عليهم السلام) قد خالفوا الأولى، وقد اشتهرت عند المسلمين مقولة تبيّن ذلك وهي أنّ: (حسنات الأبرار سيئات المقرّبين)[١]، فمسألة مخالفة الأولى هي نفس هذه المقولة المسلَّم بها،
[١] مقولة منسوبة لذي النون(عليه السلام) ولبعض كبار الصوفية كالجنيد وأبي سعيد الخراز الذي رواها عنه ابن عساكر، وذكرها العيني في عمدة القاري (٧/١٨٠) و(٢٢/٢٧٩) مسلّماً بها، وكذلك نقلها في شرحه العظيم آبادي السلفي في عون المعبود شرح سنن أبي داود.