ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٦٠
سننه تكويناً) ليكمل بذلك لهم دينهم، وليتم عليهم نعمته، وليرضى لهم الإسلام ديناً، في آخر فرصة يجتمع فيها بالمسلمين يمكنه(صلى الله عليه وآله) من خلالها تبليغ مثل هذا الأمر المهم والعظيم[١] (بعد أن قاومت قريش ذلك ففوتت الفرصة الذهبية لتبليغ ذلك في نفس أيام الحجّ في عرفات أو منى)!! فجمعهم بعدما فرغوا توّاً من أداء حجّة وداع نبيّهم ورسول ربّهم، وبعد أن أقفل راجعاً بمصاحبة تلك الجموع الغفيرة التي حرص وأكّد على حضورها معه لشهودهم تلك الحجّة العظيمة التي أطلق عليها حجّة الوداع؛ ولكونهم في حالة نادرة يكون فيها المسلم أقرب صلة بالله وأكثر طاعة وتقبّلاً وتسليماً لأحكامه، في ظرف تكون القريحة فيه مفتوحة عادة لتقبّل الأوامر والتسليم بها والانقياد إليها، فالحجّ من أكثر الفرائض الإسلامية التي تزيد المسلم تواضعاً وخضوعاً وتذللاً وتسليماً، وتكون حينها مشاعرهم وعواطفهم مشدودةً ومُنشدَّةً ومتفاعلةً مع النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) أكثر من أيّ وقت آخر، فهم عمّا قريب سوف يتفرّقون عنه ويفارقوه وقد لا يلتقوه بعد ذلك أبداً، فأذّن(صلى الله عليه وآله) في الناس حينئذ أن توقّفوا عند غدير خم، فأرجع المتقدّم منهم وانتظر المتأخّر عنهم، وخطبهم وقدّم المقدّمات التي بيَّن من خلالها بأنّه يودّعهم وسيفارقهم قريباً، وأنّه يجب أن يكون هناك من يحلّ محله ويخلفه، ولابدّ من حصول ذلك، وأنّ هذا الأمر ليس اختيارياً وليس بيده ولا بأيديهم، وإنّما هو بيد الله تعالى الذي أمره بذلك وهدده وتوعّده إن لم يبلّغ هذا الأمر المهم والعظيم الذي من دونه سوف يضيع الدين وتذهب أحكامه وتتغيّر معالمه وتندرس أركانه
[١] لكون الإمامة والخلافة الإلهية للنبي الأعظم(صلى الله عليه وآله) من أعظم أمور الدين وأصوله، حيث يصف رسول الله(صلى الله عليه وآله) من مات بلا إمام أنّ موتته جاهلية، فالميت على الجاهلية لا يقبل منه توحيد ولا نبوّة ولا عمل قط، ولذلك نزلت بعد تبليغ الأمر آية إكمال الدين، وأمّا من ترك الحجّ أو أخطأ في أدائه أو جهل بعض أحكامه فليس كذلك قطعاً وإجماعاً، فتدبّر.