ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٥٧
مسائل الخلاف، وراودني الشك في كلّ ما تعلّمته والتزمته، فاخترت الحياة بدل الموت، والحرية عقب التقليد، والتفتّح بعد الانغلاق، وقررت الانطلاق بدل التقيّد والتعصّب، وأوجبت على نفسي البحث عن الحقّ متجرّداً من كلّ خلفية مسبقة، أو تبرير واضح البطلان أو ساذج أو بعيد أو غير مقبول عند المنصف والمتجرّد[١]، وتركت كلّ ما ورثته عن الآباء وما التزمته من مقولات الأسياد والكبراء خلف ظهري بعد أن ظهر لي أنّها كانت مجرد سراب يحسبه الظمآن ماءً.
ولكنني ترددت كثيراً في ذلك وقلت في نفسي: أيّ فضل لي على غيري يجعل منّي عارفاً للحقّ مدركاً للحقيقة دون سواي؟! وكيف بالألباني وابن باز وابن عثيمين وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن حجر حتّى أهتدي أنا ويضلّوا!! أبداً لا أصدّق بأنّ الله تعالى اختارني واصطفاني لخالص رحمته وأنا العبد الآبق الجاهل الذي عرف ربّه ودينه من بضعة سنوات فقط!!! فتذكرت ذمّه تعالى للكافرين والمعاندين للحقّ وعدم قبوله لقولهم عندما قال عنهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}[٢]، وفي آية أخرى {مُّهْتَدُونَ}[٣]، فكيف أتردد وأخاف خوض غمار بحر البحث بهذا الشكل؟! وكيف يصعب علي السير فيه وأنا مأمور بسلوكه إن أردت النجاة ورضا الله تعالى والجنّة والخلاص من النار؟!
فحضرتْ أمامي وارتسمتْ صورةُ ذلك الصحابي الجليل سلمان الفارسي المحمّدي ــ الذي قال فيه أشرف الخلق(صلى الله عليه وآله): (سلمان منّا أهل البيت)[٤]، فهو الباحث عن الحقّ بحق، وهو الذي انتقل
[١] وأذكر بعض تبريراتنا الباردة الساذجة ما قاله الساجي في ترجمة أحد رواة مسلم وهو جعفر ابن سليمان فقد ذكروا بعد توثيقه إنّه شيعي، بل تصريحه ببغض الشيخين! فقام الساجي بتبرير ذلك بقوله وادّعائه بأنّ جعفراً لا يقصد أبا بكر وعمر وإنّما يقصد جارين له كان قد تأذّى منهما فكان يقول عنهما: فأمّا السب فلا وأمّا البغض فيا لك! [٢] الزخرف: ٢٣. [٣] الزخرف: ٢٢. [٤] أخرجه الحاكم في مستدركه (٣/٥٩٨) والهيثمي في مجمع زوائده (٦/١٣٠) وقال: رواه الطبراني وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعّفه الجمهور وحسّن الترمذي حديثه وبقية رجاله ثقات.