ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٥٩
أغلب مراسيم الحجّ منذ الجاهلية، وكان المسلمون يحجّون في زمان النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله) كلّ عام، وكان عليّ(عليه السلام) قد حج بهم العام السابق وبيَّن أكثر مسائل الحجّ حين أعلن البراءة من المشركين وترك حجّ الجاهلية ونبذ عهودهم وأمر بتطهير البيت الحرام من كلّ مشرك ومن كلّ عريان... ومع كلّ ذلك كان باستطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله) أداء حجّه مع أهل المدينة ومن ثمّ ينقل الصحابة الحجّ للناس كسائر الأحكام مع كون الحجّ في الإسلام ليس فرضاً وواجباً إلاّ على المستطيع، ولكن رسول الله(صلى الله عليه وآله) دعا كلّ أمّته للحضور معه ورغّبهم بذلك وأطلق على هذا الموسم (حجّة الوداع) تنبيهاً وتشويقاً للمسلمين في الحضور معه فيها، فهناك أشياء مهمّة يريد(صلى الله عليه وآله) لأجلها جمع أكبر عدد ممكن ليشهدهم عليها! فحجّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) بهم بهذه الحجّة، وإطلاق هذا الاسم الملفت عليها، وجمعهم بهذا الكم الغفير، لا يمكن أن يكون لأجل فريضة الحجّ فقط!
بل كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) ذاهباً لأمر أهم وأعظم من تعليم الناس فريضة الحج[١]! فكان الأهم من ذلك كلّه هو (تبليغهم آخر أوامر الله تشريعاً، وهدايتهم إلى أهم
[١] لكون الحجّ كان معروفاً لهم في الجملة مألوفاً عندهم، والحجّ من فروع الدين وليس بواجب على كلّ المسلمين، وإنّما هو يجب على من استطاع إليه السبيل، ومع ذلك فقد حاول النبي(صلى الله عليه وآله) جمع وأخذ كلّ المسلمين معه ولم يقتصر على العلماء ليعلّموه من بعده لغيرهم وينقلوه ويبلّغوه عنه، وكذلك فإنّ هذه الجموع الغفيرة سوف يسقط عنها جميعاً فرض الحجّ ووجوبه، فلا حاجة لهم لتعلّم أحكام الحجّ لأنفسهم فيما بعد، فالإصرار على تجميع كلّ المسلمين وجلبهم معه واصطحابه إيّاهم يفسّره أهمية الإمامة وأمر خلافته من بعده، وخصوصاً مع تسمية الحجّة لذلك العام بأنّها حجّة الوداع، ففي تسميتها بذلك إشارة لطيفة لدنوّ أجل رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وقد أشار(صلى الله عليه وآله) إلى هذه النكتة في خطبته فيها وتكراره وترديده القول: (إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب). فنزول آية (التبليغ) وآية (إكمال الدين) في هذه الحجّة مع عدم علاقتها بالحجّ يدلّ بوضوح بأن ّالغاية الأهم في هذه الحجّة الوداعية هو بيان إمامة أهل البيت(عليهم السلام) وخلافتهم لرسول الله(صلى الله عليه وآله) وإنّ هذا الأصل الأصيل من أصول الدين.