ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ١٣٠
الكبرى وفساد فعلهم وخطأ اختيارهم بطردهم وقوله لهم بعد أن وصفوه بالهجر ونسبوه إلى الهذيان، وبعدما أكثروا من اللغط والاختلاف: (دعوني ــ قوموا عنّي ــ فالذي أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه)[١] كما قرر ابن تيمية ذلك تماماً واعترف به حين قال في منهاج سنّته: (رأى النبيُّ(صلى الله عليه وآله) أنّ الكتاب في هذا الوقت لم يبق فيه فائدة ؛ لأنّهم يَشُكُّون هل أملاه مع تغيِّره بالمرض(أي: مع هجره)؟ أم مع سلامته من ذلك؟ فلا يرفع النزاع فتركه)[٢]!
وهذا الترديد بين القبول على مضض، وبين الرفض والقتال والمجابهة قد صرّح به عمر نفسه في حادثة السقيفة وبنصّه فلا يأتي أحد بعد ذلك ويقول قد افتريتم على عمر أو أنّه لا يمكن أن يفعل شيئاً من هذا القبيل، فهذا هو طبعه وهذه عقيدته! فقد قال عمر كما يروي البخاري ذلك: (فخشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى وإمّا أن نخالفهم فيكون فساد)[٣]، فهذا التصريح منه وهذا النَفَس يتّفق مع فعلته في تلك الرزية وقوله الشنيع ؛ لأنّه عين قوله في تلك الحادثة المؤلمة تماماً؛ حيث شكك بعصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله) وطعن في أوامره واجتهد في قبال نصّه(صلى الله عليه وآله)، فترك النبيّ(صلى الله عليه وآله) كتابة الوصية ــ لا نفس الوصية ــ ومن ثمّ لم يتمكّن من إلزامهم بها من بعده من دون أن يبقى مجال لأحد في إنكارها أو التشكيك بها أو تأويلها، ومن ثمّ ضيّعوا الهداية على الأمّة جمعاء، بحيث لم يكن ليضلَّ أحد ولو كان من الرعاع؛ ولكن قد سبق القدر والقضاء في مخالفتهم لإرادة أرحم الرحماء، هنا في يوم الرزية كما في يوم إنفاذ جيش أسامة وكما في حجّة الوداع، فكانوا من الأشقياء، وتسببوا في ضلال
[١] البخاري (٣/١١١١ و١١٥٥) و(٤/ ١٦١١) ومسلم (٣/١٥٨). [٢] منهاج السنّة لابن تيمية (٦/٣١٥). [٣] البخاري (٨/٢٨).