ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٣٣
فأصبحنا بمرور الأيام مجموعة متجانسة نلتقي دائماً ونتسامر ليلاً ونتجوّل في شوارع المحلّة إلى وقت متأخّر من الليل، فلم أر منهم إلاّ الكلام الجميل والمشاعر اللطيفة والأخلاق الحميدة، وكانت قصصهم في الغالب دينية وبخصوص حياة وأحوال أهل البيت(عليهم السلام) وعلمهم وأخلاقهم وفضائلهم وخطبهم ووصاياهم، وشيء من التاريخ، وبعض مسائل الخلاف، وبعض المسائل العلمية والطبيعية، وشيء من النوادر والطرائف، فأحببتهم كثيراً وكنت أستمتع بالوقت الذي أقضيه معهم، وأستفيد منه بصورة كبيرة لجدّيتهم وثقافتهم وتدينهم.
فأصبح أصدقائي الجدد بعد فترة يضغطون عليّ ويرغبونني في التزام الصلاة والاستمرار عليها بعد أن أخبرتهم بأنّي أصلّي فترة وأترك أخرى، وقالوا لي بأنّ أفضل علاج لذلك هو الصلاة في المسجد كي تستمر عليها ولا تقطعها بعد ذلك، وبدؤوا يرغبونني بصلاة الجماعة ويذكرون لي أهميتها وفوائدها وما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم.. وفجأةً سألتهم سؤالاً بدا وكأنّه كان محرجاً دون أن أعلم بذلك حينما قلت لهم: فلمَ لا نذهب إلى المسجد سوية ما دام الأمر بهذه الأهمية؟ ولماذا ترسلونني إلى المسجد وأنتم لا تذهبون {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}[١] ؟!
فأجابوا بحسرة واضحة: ليتنا نستطيع ذلك!
فقلت: ولِمَ لا تستطيعون؟
قالوا: إنّ مذهبنا يشترط العدالة في الإمام وهذا الشخص تابع لوزارة الأوقاف ويأخذ مرتّبه من الدولة، ناهيك عن وجود بعض إشكالاتنا الشخصية عليه لكونه يسبّنا ويحرّض علينا ويتهجّم على مذهبنا كلّما ارتقى المنبر!
[١] البقرة: ٤٤.