ثمّ شيّعني الألباني - الجاف، عبد الحميد - الصفحة ٦٣
الإمامة وخلافة النبوّة في عليّ(عليه السلام) وسائر أهل بيت النبيّ(عليهم السلام) كي يركن إليهم؛ حاول النبيّ(صلى الله عليه وآله) حينئذ إلزامهم بذلك بواسطة جمعهم بعد حجّة الوداع وتبليغهم في غدير خم قبل أن يتفرّقوا عنه وتنصيبه لعليّ(عليه السلام) أميراً للمؤمنين من بعده، وطلبه مبايعتهم إيّاه ولياً للعهد مرّة، وكتابة ذلك أخرى كما في رزية يوم الخميس، وإبعادهم عن مسرح الأحداث وعن المدينة للغزو ثالثة حينما بعثهم في جيش الفتى والمولى أسامة بن زيد، وتصدّيه أيضاً لكثير ممّا كانوا يقومون به من أفعال وممارسات في مقابل هذا الأمر؛ مثل تقديمهم لأبي بكر وعمر للصلاة بالناس، أو تأخيرهم إنفاذ جيش أسامة، أو صياحهم وضجيجهم ورفع أصواتهم وتكبيرهم للتشويش عليه(صلى الله عليه وآله) حينما أراد التنصيص على الأئمة الاثني عشر تفصيلاً في حجّة الوداع! أو رمي رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالهجر والهذيان وملئ سمعه الشريف بذلك الكلام الجريء المتهتك القبيح حينما أراد كتابة ذلك الأمر بحضورهم لإشهادهم عليه في رزية يوم الخميس! ومثل هذه التصرّفات إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ وتنمّ عن عدم إيمان البعض بعصمة نبي ورسول لا يمكن أن ينطق عن هوى، وهو تجاسر صارخ منهم على مقام معصوم مبلّغ عن الله تعالى، وتشكيك برسالة إلهية خاتمة، وتمرّد عليها وعلى تعاليمها وأوامرها، واجتهاد في مقابل النص الواضح الصريح، وأيّ نص؛ إنّه أمان الأمّة من الضلال والضياع والفرقة والاختلاف من بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإلى يوم القيامة، فأيّ أمر ذي نفع عظيم على الأمّة فوّتوا؟! وأيُّ مصلحة وخير عليها ضيّعوا؟! وأيّ رزية لها جلبوا؟! كما وصف ابن عباس ذلك باكياً حتّى بلّت دموعه الحصباء[١]، وفي رواية بلفظ: "ثمّ جعل تسيل دموعه حتّى رأيت على خديه كأنّها نظام اللؤلؤ"[٢]، وكان ذلك من ابن عباس(رضي الله عنه) بعد تلك الواقعة المؤلمة بعقود وعقود؛ فعبّر من خلال تصرّفه هذا عمّا حمله من أسى وأسف ومرارة على
[١] البخاري (٤/٣١) ومسلم (٥/٧٥). [٢] مسلم (٥/٧٦).