موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٣٨
فدعاه النظر للدين الى الكف عن طلب الخلافة، والتجافي عن الأمور، علماً منه أن طلبها والحال هذه، يستوجب الخطر بالأمة، والتغرير في الدين، فاختار الكف إيثاراً للاسلام، وتقديماً للصالح العام، وتفضيلاً للآجلة على العاجلة.
غير أنه قعد في بيته ـ ولم يبايع حتى أخرجوه كرهاً[١] احتفاظاً بحقه، واحتجاجاً على من عدل عنه، ولو أسرع الى البيعة ما تمت له حجة ولا سطع له برهان، لكنه جمع فيما فعل بين حفظ الدين، والأحتفاظ بحقه من إمرة المؤمنين، فدل هذا على اصالة رأيه، ورجاجة حلمه، وسعة صدره، وإيثاره المصلحة العامة، ومتى سخت نفس امرىء عن هذا الخطب الجليل، والأمر الجزيل، ينزل من الله تعالى بغاية منازل الدين وإنما كانت غايته مما فعل أربح الحالين له، وأعود المقصودين عليه، بالقرب من الله عزوجل.
أما الخلفاء الثلاثة وأولياؤهم، فقد تأولوا النص عليه بالخلافة للأسباب التي قدمناها، ولا عجب منهم في ذلك بعد الذي نبهنا إليه من تأولهم واجتهادهم في كل ما كان من نصوصه(صلى الله عليه وآله)، متعلقاً بالسياسات والتأميرات وتدبير قواعد الدولة، وتقرير شؤون المملكة، ولعلهم لم يعتبروها كأمور دينية، فهان عليهم مخالفته فيها، وحين تم لهم الأمر، اخذوا بالحزم في تناسي تلك النصوص وأعلنوا الشدة على من يذكرها أو يشير اليها، ولما توفقوا في حفظ النظام، ونشر دين الإسلام، وفتح الممالك، والاستيلاء على الثروة والقوة، ولم يتدنسوا بشهوة، علا أمرهم، وعظم قدرهم، وحسنت بهم الظنون، واحبتهم القلوب، ونسج الناس في تناسي النص على منوالهم، وجاء بعدهم بنو أمية ولا هم لهم إلا اجتياح أهل البيت واستئصال شأفتهم، ومع ذلك كله، فقد وصل إلينا من النصوص الصريحة، في السنن
[١] إخراج الامام علي بن أبي طالب(عليه السلام) كرهاً لأجل البيعة.
راجع: العقد الفريد: ٤ / ٣٣٥ ط لجنة التأليف والنشر بمصر: ٢ / ٢٨٥ ط آخر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٣ / ٤١٥ أفست بيروت.