موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١١٩
والمسلمين. فالمؤرخ، بالدرجة الأولى رجل منخرط في الصراع السياسي، لأن قطاع المعرفة كلّه بيد البلاط، ولا حديث حينئذ عن استقلال المؤرخ! وحينما لا يستقل المؤرخ لا يستقل التاريخ، هكذا ورثنا تاريخاً عربياً متناقضاً ومتمذهباً ومنمطاً.
ومن هنا تطلب الموقف أمام التاريخ هو ضبط الرجال وابتكار علم جديد يُعني بأحوال الراوي فقال المؤلف في هذا المجال: "غير أن التجربة الاسلامية انتهت إلى نوع من التجزئة السياسية والمذهبية، جعل مفهوم الثقة ذاته يخضع لمعايير ذلك التشطير المذهبي".
نماذج الكتابة التاريخية العربية:
يعرض المؤلف في هذا الخصوص أولا ابن جرير الطبري، ويذكر أن السبب الذي مكّنه من الاستئثار بالريادة على صعيد الكتابة التاريخية العربية هي أن الطبري لم يكن مؤرخاً خالصاً، بل هو قبل كل شيء فقيه ومحدّث وقاضي، وهذا ما ساعده على انجاز مدوّنته الأخبارية الشاملة على أساس اسلوب "الاسناد" الذي ظل يمثل المنهج الأكثر أهمية لدى المحدّثين.
ثم يذكر المؤلف ابن كثير ويقول عنه أنه مارس التاريخ بدافع اعادة بناء الحقيقة القدسانية كما يتصوّرها السلفي، وهي التي تجعل من الانتصار للمذهب غايتها القصوى.
ثم يقارن المؤلف بين الطبري وابن كثير فيقول: "الطبري قد يضحي بالنص من أجل الوصول إلى الوفاق، في حين نجد ابن كثير يضحي بالوفاق من أجل تحديد موقف السلف".
ثمّ يقول: "وكلاهما قد يضحي بالحقيقة من أجل بلوغ غاية ايديولوجية ما!".