موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٣
السبب الثاني: اجتماعي ويتمثّل في التسلط الفرعوني: فالفراعنة يرون في التوحيد تجاوزاً للواقع الذي يسيطرون عليه، وبالتالي خطراً يهدد سلطانهم ويزلزل كيانهم، فيكون من مصلحتهم أن يغمضوا عيون الناس عن أي أفق وراء الواقع.. ولن يحصل ذلك إلاّ بتحويل هذا الواقع إلى مطلق إلى مثل أعلى لا يمكن تجاوزه.. ففرعون يحاول دائماً أن يعبىء الجماهير ويؤطرها في ظل وجوده ورؤيته هو (قَالَ فِرْعَوْنُ مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أَرَى وَ مَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ)[٢]، (وَ قَالَ فِرْعَوْنُ يَـأَيُّهَا الْمَلاَُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَـه غَيْرِي)[٣].. إنه خط الطاغوت في التاريخ الذي يسعى لتجميد حركة المجتمع البشري، وتحويل الواقع إلى مطلق، وسجن الجماعة البشرية في ضيق الماضي وحُدُودِ رموزه.. هكذا تتحول معركة التوحيد والكفر إلى معركة بين قوى التقدم وقوى التآمر والجمود، وتكون (الفرعونية) بكل مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسة.. المؤسسة وتحررها الرسالي.. إن مصير الأمم التي تخضع لهذه المثل العليا المنخفضة إنها تتحول إلى ما أسماه(قدس سره).. (شبح أمة) تعيش الفرقة والتمزق، لأنه بغياب عقيدة التوحيد.. ينتفي الإطار الذي يوحد صفوف الأمة، و(يبقى كل إنسان مشدود إلى حاجاته المحدودة إلى مصالحه الشخصية إلى تفكيره في أموره الخاصة، كيف يصبح؟ كيف يمسي؟ كيف يأكل؟ كيف يشرب؟ كيف يوفر الراحة والاستقرار لأولاده ولعائلته أي راحة؟ أي استقرار؟ الراحة بالمعنى الرخيص للراحة والاستقرار بالمعنى الرخيص من الاستقرار.. يبقى كل انسان سجين
[١] البقرة: ١٧٠.
[٢] غافر: ٢٩.
[٣] القصص: ٣٨.