موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٩٧
قال المفسرون "الماء المهين" الحقير، قليل الغناء. والمراد به النطفة، والمراد "بالقرار المكين" الرحم، والقدر المعلوم مدّة الحمل، والقرار مصدر أُريد به المقرّ مبالغة، والمراد به الرحم التي تستقر فيها النطفة، والمكين المتمكّن، لتمكّنها في حفظ النطفة من الضياع والفساد، ولكون النطفة مستقرّةٌ متمكنة فيها... والمعنى ثمَّ جعلنا الإنسان نطفة في مستقر متمكّن هي الرحم، كما خلقناه أوّلا من سلالة من طين أي بدّلنا طريق خلقه من هذا إلى ذاك.
وقد اختلف العطف من "فاء" إلى "ثمَّ" لأنَّ ما عُطِفَ بـ "ثُمَّ" له بينونة كاملة مع ما عُطِفَ عليه، وما لم يكن فيه بينونة عُطِفَ "بالفاء"، كقوله (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَـماً فَكَسَوْنَا الْعِظَـمَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَـهُ خَلْقاً ءَاخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَــلِقِينَ)[٢].
هنالك إذن انتقال من مرحلة إلى أخرى... من مرحلة الطين (وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن سُلَــلَة مِّن طِين )[٣] إلى مرحلة النطفة في القرار المكين (ثُمَّ جَعَلْنَـهُ نُطْفَةً فِى قَرَار مَّكِين)[٤] والمقصود طور النطفة الأمشاج لقوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الاِْنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَّبْتَلِيهِ)[٥] وذلك حين تلتحم النطفة (الحيوان المنوي) مع النطفة (البويضة).
لنقف قليلا عند كلمة "مكين". القرار المكين هو المتمكن الذي تنمو فيه
[١] المرسلات: ٢٠ ـ ٢٣.
[٢] المؤمنون: ١٤.
[٣] المؤمنون: ١٢.
[٤] المؤمنون: ١٣.
[٥] الإنسان: ٢.