موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٠٨
لم تحن الإجابة عن هذا السؤال بعد، لكن نود أن نشير إلى أنّ الخطاب الإلهي في كل الأحوال، يتّجه نحو الجوهر الإنساني السليم، أو الأكثر سلامة، ذاك الذي يعي ويدرك ويمتلك خاصة سبر ومعرفة أغوار الأشياء، ويمكن أن نجمله هنا بمصطلح (النفس) الذي يرسل إليها الخطاب القرآني، ومجمل أنواع المخاطبات الإنسانية، أي تلك القوة العاقلة التي تتمتع بالفهم والفكر والمشاعر، وهذه القوة لا مجال لمعرفتها أو التعرف عليها عبر الأدوات التي تختبر بها القوانين والأنظمة، كالكيمياء والطاقة والتشريح وما إلى ذلك، لا لأنّها ليست حقيقة ملموسة، بل على العكس يمكن أن تكون هي الحقيقة الأشد نصاعة بين جملة أشياء هذا الكون، لقدرتها على التأمل والخلق وترتيب المقدمات التي توصل إلى نتائج، من اللا شي أحياناً.
يقول عالم الأحياء "أدلوف بورتمان": "ما من كمية من البحث على النسق الفيزيائي أو الكيميائي، يمكنها أن تقدم لنا صورة كاملة للعمليات النفسية والروحية والفكرية"[١].
من خلال ما تقدم تبين لنا، أن هذا الجوهر الإنساني لا يخضع في حركته الفكرية لأية سلطة، أو لا توجد هنالك من سلطة تمنعه من البحث الدائم، الذي لا ينفك محاولاً الإحاطة بكل تفاصيل الوجود، عاملاً على إخضاعها لمتطلباته، أو باحثاً عن فك رموزها.
هذا ما يؤكده عمل الإنسان المبكر على إنشاء علائق تقوم ما بينه وبين الموجودات الشاخصة أمامه، بل تحرك أعمق من ذلك وذهب نحو الماهيات، يجرد الأشياء من الأطراف الزوائد التي تلحق بها ليصل إلى اللب، أو يبحث عن الخالد، ولا يعبأ كثيراً بالآيل إلى الزوال.
[١] العلم من منظوره الجديد، روبرت اغروس، جورج ستانسيو، ت: كمال خلاليلي سلسلة عالم المعرفة، ع١٣٤، ص٤٢ ـ ٤٣.