موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٤٠٤
ـ ومنها من سار بها نحو التأملات الفلسفية التي تحتمل في تحققها الخطأ مثلما تحتمل الصحة.
ـ ومنها من رآها شأناً إلهياً مثلما النبوّة، ليس للناس من قرار فيه.
ـ وهناك من نأى بها عن فنّ المعقولات وسار بها نحو الفقهيات، يريد بذلك إدخالها منطقة الاستنباط، وإخراجها عن دائرة الأُصول التي يبحر العقل وراء إدراك كنهها، ويرتفع بها عن مقام المعاملات، ليصير إلى فلسفة المعرفة.
ويتضح لي أنّ الإمامة مفهوم غير جميع ما تقدّم، وعلى هذا المفهوم تترتب النتائج التي تكون أكثر شمولية، وأشد تعبيراً من المناصب الإدارية، أو السياسية أو العسكرية أو الاجتماعية، لكن لبلوغ هذا المفهوم يحتاج الراغب لمزيد من العناء، ولا نقصد بالعناء هنا المشقة من أجل الوصول إليه، لأنّ الإمامة والإمام أمر لا ينبغي معه الغموض، مثلما لا يجب أن ينشب حوله خلاف من نوع ذاك الذي يقسم الناس إلى فرق وأحزاب، إنّما الواجب أو الضروري ـ بمعنى الحتمي ـ أن يكون الإمام هو الجامع والرابط بين الناس، الجاذب لهم والموطد لأواصر التقارب والتلاحم فيما بينهم، هذا هو الأمر الطبيعي والسليم، الذي يرسل الله الأنبياء عادة ويزودهم بالأوصياء من أجله.
أمّا مخالفته، فإنّها تدخل في باب مخالفة الفطرة التي فطر الله الناس عليها، الأمر الذي يلزم عنه بالضرورة شعور الإنسان بالضنك وقسوة العيش، لأنّ الإعراض عن الفطرة الإلهية والإعراض عن سبيل الله هو الذي يورث المشقّة، وهو الذي يجعل الإنسان يتخبط على غير هدى، وليس المقصود بضنك العيش هنا: الاحتياج والفقر، أو الشعور بالظلم وما شابه ذلك، إنّما المقصود هو اغتراب النفس وابتعادها عن راحتها وطمأنينتها بالدرجة الأولى! فكم من موسر، وكم من جبار، وكم وكم من أولئك الذين يتصور الناس أنهم بلغوا رتبة السعادة في الحياة