موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٥
يفرض هذا المثل الأعلى حقيقة قائمة ثابتة.. ولذلك عبرت الآية عن الكدح بصيغة خبرية لا بصيغة إنشائية. فالبشرية تكدح نحو الله شاءت أم أبت حتى الذين يتمردون على الله هم يسيرون نحو الله ولكن من حيث لا يشعرون.. لأن كونه سبحانه مثلا أعلى حقيقة كونية على الانسان أن يعيها ويرتبط بها.. (وَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَعْمَــلُهُمْ كَسَرَاب بِقِيعَة يَحْسَبُهُ الظَّمْـَانُ مَآءً حَتَّى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْـاً وَ وَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ )[١].
وعقيدة التوحيد عندما توحد بين الوعي والواقع وبين الاعتقاد والحقيقة.. يحدث تغيراً كمياً وكيفياً على مسيرة الإنسان، فالمثل الأعلى المطلق يحفز الانسان والمجتمع نحو التقدم ويضفي على المسيرة اندفاعاً وتجدداً لا ينضب، فعلى المستوى الكمي يفتح آفاقاً لا نهاية لها، لأنه كلما قطعت المسيرة شوطاً نحو الله انفتحت أمامها أشواطاً جديدة.. وتسقط حينئذ وتتهاوى كل الاشكال من الالوهيات المزيفة على هذا الطريق الزاحف نحو المطلق (من هنا كان دين التوحيد صراعاً مستمراً مع كل اشكال الآلهة، والمثل المنخفضة والتكرارية التي حاولت أن تحدد من كمية الحركة من أن توصل الحركة إلى نقطة ثم تقول قف أيها الإنسان)[٢].
(أما التغير الكيفي تتجلى في حل الجدل الداخلي للإنسان بإعطاء الشعور الداخلي بالمسؤولية الموضوعية، لأن الانسان من خلال إيمانه بهذا المثل الأعلى ووعيه على طريقه بحدوده الكونية الواقعية من هذا الوعي ينشأ بصورة موضوعية شعور معمق لديه بالمسؤولية تجاه هذا المثل الأعلى لأول مرة في تاريخ المثل
[١] النور: ٣٩.
[٢] م. ن، ص١٨٥.