الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٦
ندمهم و يتوبون و يعتذرون ممّا صنعوا، لكن القرآن يقول في هذا الصدد: فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَ لا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ [١] و تجدر الإشارة إلى هذه المسألة، و هي أن في بعض آيات القرآن تصريحا بعدم الإذن للمجرمين أن يعتذروا وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [٢] غير أنّ الآية محل البحث تقول: لا ينفعهم الاعتذار هناك، و ظاهرها أنّهم يعتذرون، إلّا أنّه لا أثر لاعتذارهم.
و بالطبع فإنّه لا تضاد بين هذه الآيات، لأنّ يوم القيامة فيه مراحل مختلفة، و في بعض المراحل لا يؤذن للمجرمين بالاعتذار أبدا و يختم على أفواههم ...
و إنّما تتحدث الجوارح بما أساءت فحسب ... و في بعض المراحل تنطلق ألسنتهم بالاعتذار، إلّا أنّه ... لا ينفعهم الاعتذار أبدا ...؟! و واحد من أعذارهم أنّهم يلقون تبعات ذنوبهم على أشياخهم في الكفر و النفاق، فيقولون لهم: لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [٣]، إلّا أن أولئك يردون عليهم بالقول: أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ [٤] و أحيانا يلقون اللوم على الشيطان في تضليلهم و انحرافهم و أنّه وسوس لهم، إلّا أن الشيطان يجيبهم فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ [٥]، أي لم أكرهكم على الكفر، إلّا أنّكم استجبتم لي برغبتكم.
و في الآية التالية إشارة لجميع المواضيع الوارد بيانها في هذه السورة ... إذ تقول: وَ لَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لقد ذكرنا فيه الوعد
[١]- كلمة «يستعتبون» مشتقة من «عتب» على وزن «حتم» و معناها في الأصل الاضطراب النفسي «الداخلي» و حين يصاغ هذا الفعل من باب الإفعال فيكون معناه ازالة هذا الأثر و الاضطراب، كما جاء في لسان العرب أن الاستفعال يؤدي معنى الإفعال هنا، لذلك يقال في شأن الاسترضاء معناه طلب الرضا و التوبة، و معنى الكلمة هنا في الآية هو بمثل ما ذكرناه، و معنى ذلك أنّ المجرمين في يوم القيامة ليس لهم القدرة على التوبة.
[٢]- المرسلات، الآية ٣٦.
[٣]- سبأ، الآية ٣١.
[٤]- سبأ، الآية ٣٢.
[٥]- إبراهيم، الآية ٢٢.