الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٠ - الموتى و الصّمّ لا يسمعون كلامك
و هنا ينبغي أن نضيف هذه الجملة، و هي أن جميع المسلمين في صلاتهم- دائما- يخاطبون النّبي صلّى اللّه عليه و آله و يسلمون عليه بهذه الجملة «السّلام عليك أيّها النّبي و رحمة اللّه و بركاته» و نعرف أنّ المخاطبة الحقيقة لا المجازية يجب أن تكون- حتما- مع إنسان يسمع و يدرك! فعلى هذا الأساس لازم السلام على النّبي بهيئة المخاطبة من بعيد أو قريب، أن روحه المقدسة تسمع جميع هذه التحيات، و لا دليل يقودنا إلى أن نحمل هذه التحيات على المجاز!.
و في آخر آية- من الآيات محل البحث- يشير القرآن إلى دليل آخر من أدلة التوحيد، و هو دليل الفقر و الغنى، و يكمل البحوث التي تدور حول التوحيد في هذه السورة، فيقول: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً.
كنتم في البداية ضعافا إلى درجة أنّكم لم تكن لكم القدرة على طرد الذباب عنكم، أو أن تحافظوا على لعاب أفواهكم أن يسيل، هذا من الناحية الجسمية، أمّا من الناحية الفكرية فمصداقة قوله تعالى: لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً بحيث لم تعرفوا حتى أبويكم المشفقين عليكم.
لكن- قليلا قليلا- صرتم ذوي رشد و قوّة، و صار لكم جسم قوي، و فكر جيد، و عقل مقتدر إدراك واسع! و مع هذه الحال لم تستطيعوا أن تحافظوا على هذه القوّة، فمثلكم كمن يصعد من طرف الجبل إلى قمته، ثمّ يبدأ بالانحدار من القمة إلى قعر الوادي، الذي يمثل «مرحلة ضعف الجسم و الروح».
هذا التغير و الصعود و النّزول خير دليل لهذه الحقيقة، و هي أنّه لم تكن القوّة من عندكم و لا الضعف، فكل منهما كان من جهة أخرى، و هذا بنفسه دليل على أن وراءكم من يدبّر أموركم و يسيّر حياتكم و ما عندكم فهو أمر عارض!