الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٣ - التّفسير
الفتوح الرازي» في تفسيره و غيرهم، و إن ذهب غيرهم كالفخر الرازي الى إن الضمير في كلمة «منه» يعود على الضرّ، و فسّروا الآية هكذا «حين يذيق اللّه عباده بعد الضرّ رحمة. إذا فريق منهم يشركون باللّه». (فيكون معنى «من» هنا البدلية). إلّا أنّه من الواضح أن التّفسير الأوّل أكثر انسجاما مع ظاهر الآية! أمّا الآية الأخرى فجاءت بعنوان التهديد لأولئك المشركين، الذين ينسون ربّهم عند نيل النعم، إذ تقول: اتركهم لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ و ليفعلوا ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا! ثمّ يخاطب المشركين بأن يتمتعوا بهذه النعم و المواهب الدنيوية الفانية. و سوف يرون العاقبة السيئة لذلك: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ [١] و بالرغم من أنّ المخاطبين بالآية هم المشركون، إلّا أنّه لا يبعد أن يكون لها مفهوم واسع بحيث يشمل جميع الذين ينسون اللّه عند إقبال النعم، و ينشغلون بالتمتع بهذه النعم فحسب، دون أن يذكروا واهب النعم.
و بديهي أن صيغة الأمر استعملت هنا للتهديد!.
و القرآن في الآية الأخرى يصوغ الكلام في صيغة الاستفهام المقرون بالتوبيخ فيقول: أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ.
«أم» هنا للاستفهام، و يحمل الاستفهام هنا غرضا استنكاريا و توبيخا ... أي إن سلوك هذا الطريق و الخطة يجب أن يكون إمّا لنداء الفطرة، أو بحكم العقل، أو بأمر اللّه، لكن حين يصرخ الوجدان و الفطرة في الشدائد و الملمات بالتوحيد ....
فإن العقل يقول أيضا: ينبغي التوجه نحو واهب النعم.
يبقى أن حكم اللّه في هذه الآية هو في مورد النفي، أي: لم يؤمروا من قبل اللّه بمثل هذا الأمر، فعلى هذا فإن هؤلاء في اعتقادهم هذا لم يستندوا إلى أي أصل
[١]- إنّ «اللام» في جملة «ليكفروا» هي لام الأمر، و هذا الأمر للتهديد، و كذلك جملة «تمتعوا» إذ هي للتهديد أيضا.
و إن كانت الأولى جاءت بصيغة «الغائب» و الثّانية بصيغة «الخطاب» ... فكأنّما افترض في الحالة الأولى أنّهم غيّاب ثمّ من أجل التشدّد بالتهديد جعلهم مواجهين للتهديد و الخطاب، إلّا أنّ بعض المفسّرين عدّوا «اللام» للعاقبة، أي كان عاقبة أمرهم الكفر بنعم اللّه، إلّا أن المعنى الأوّل أكثر انسجاما مع ظاهر الآية.