الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٩ - التّفسير
و بتعبير آخر: إنّ التكوين و التشريع عضدان قويان يعملان بانسجام في المجالات كافة، فلا يمكن أن يدعو الشرع إلى شيء ليس له أساس و لا جذر في أعماق فطرة الإنسان، و لا يمكن أن يكون شيء في أعماق وجود الإنسان مخالف للشرع! و بدون شك فإنّ الشرع يعين حدودا و قيودا لقيادة الفطرة لئلا تقع في مسار منحرف، إلّا أنّه لا يعارض أصل مشيئة الفطرة، بل يهديها من الطريق المشروع، و إلّا فسيقع التضاد بين التشريع و التكوين، و هذا لا ينسجم مع أساس التوحيد.
و بعبارة أخرى: إنّ اللّه لا يفعل أعمالا متناقضة أبدا، بحيث يقول أمره التكويني: افعل! و يقول أمره التشريعي: لا تفعل.
٢- إنّ الدين له وجود نقي خالص من كل شائبة داخل نفس الإنسان، أمّا الانحرافات فأمر عارض، و وظيفة الأنبياء إذن إزالة هذه الأمور العارضة، و فسح المجال لفطرة الإنسان في الإشراق.
٣- إنّ جملة لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ و بعدها جملة ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ تأكيدان آخران على مسألة كون الدين فطريا، و عدم إمكان تغيير هذه الفطرة! ...
و إن كان كثير من الناس لا يدركون هذه الحقيقة بسبب عدم رشدهم كما ينبغي! و ينبغي الالتفات إلى هذه اللطيفة، و هي أن الفطرة في الأصل من مادة «فطر» على زنة «بذر» و معناها شق الشيء من الطول، و هنا معناها الخلقة، فكأن ستار العدم ينشق عند خلق الموجودات و يبرز كل شيء منها.
و على كل حال فمنذ أن وضع الإنسان قدمه في عالم الوجود، كان هذا النور متوقدا في داخله، من أوّل يوم و من ذلك الحين! و الرّوايات المتعددة التي وردت في تفسير الآية تؤيد ما ذكرناه آنفا، و سنتحدث عن ذلك لاحقا إن شاء اللّه، بالإضافة إلى الأبحاث الأخرى في مجال كون التوحيد فطريا.