الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٩ - تنبؤ عجيب!
فعلى هذا سيكون ذكر جملة فِي أَدْنَى الْأَرْضِ إشارة إلى أهمية هذا الاندحار.
و بالطبع فإن التنبؤ عن انتصار البلد المغلوب خلال بضع سنين في المستقبل، له أهمية أكبر، إذ لا يمكن التوقع له إلّا عن طريق الإعجاز.
ثمّ يضيف القرآن: وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ و هم أيّ الروم. و مع أن جملة «سيغلبون» كافية لبيان المقصود، و لكن جاء التعبير مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ بشكل خاص لتتّضح أهمية هذا الإنتصار أكثر، لأنّه لا ينتظر أن تغلب جماعة مغلوبة و في أقرب حدودها و أقواها في ظرف قصير، لكن القرآن يخبر بصراحة عن هذه الحادثة غير المتوقعة.
ثمّ يبيّن الفترة القصيرة من هذه السنين بهذا التعبير فِي بِضْعِ سِنِينَ [١] و المعلوم أن «بضع» ما يكون أقله الثلاث و أكثره التسع.
و إذا أخبر اللّه عن المستقبل، فلأنّه لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ.
و بديهيّ أن كون الأشياء جميعها بيد اللّه- و بأمره و إرادته- لا يمنع من اختيارنا في الإرادة و حريتنا و سعينا و جهادنا في مسير الأهداف المنظورة.
و بتعبير آخر: إن هذه العبارة لا تريد سلب الإختيار من الآخرين، بل تريد أن توضح هذه اللطيفة، و هي أن القادر بالذات و المالك على الإطلاق هو اللّه، و كل من لديه شيء فهو منه!.
ثمّ يضيف القرآن، أنّه إذا فرح المشركون اليوم بانتصار الفرس على الروم فإنه ستغلب الروم وَ يَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ.
أجل، يفرحون بِنَصْرِ اللَّهِ ... يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
و لكن ما المراد من فرح المؤمنون؟!
[١]- توجد احتمالات كثيرة في معنى «بضع» فقيل: إنّها تتراوح بين ثلاث و عشر، أو أنّها تتراوح بين واحدة و تسع، و قيل: أقلّها ست و أكثرها تسع. إلّا أن ما ذكرناه في المتن هو المشهور.