الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤٨ - أساس الفساد و مصدره أعمال الناس أنفسهم
كانت بدايته حول خلق الإنسان ثمّ رزقه من قبل اللّه اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ إلّا أن الكلام في الآيات محل البحث التي تتحدث عن العقاب يبدأ الكلام فيها أوّلا بالإشارة إلى زوال النعم على أثر المعاصي و الذنوب، ثمّ الهلاك على أثر الشرك، لأنّه عند الهبة و العطاء «أوّل الأمر يذكر الخلق ثمّ الرزق» .. و عند الاسترجاع، «فأوّل الأمر زوال النعمة ثمّ الهلاك».
و التعبير ب كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ مع الالتفات إلى أنّ هذه السورة مكّية و كان المسلمون في ذلك الوقت قلّة، فلعل ذلك إشارة إلى أن لا تخافوا من كثرة المشركين، لأنّ اللّه أهلك من قبلهم من هو أشدّ منهم، و اكثر جمعا، و هو في الوقت ذاته إنذار للطغاة ليسيروا في الأرض فينظروا بأم أعينهم عاقبة الظالمين من قبلهم!.
و حيث أن التصور و الوعي و الانتباه، ثمّ العودة و الإنابة إلى اللّه، كل ذلك لا يكون- دائما- مفيدا و مؤثرا، ففي الآية التالية يوجه القرآن الخطاب للنبيّ الأكرم صلّى اللّه عليه و آله قائلا: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ [١] أي يتفرقون «فريق في الجنّة و فريق في السعير».
و وصف الدين بأنه «قيّم» مع ملاحظة أن «القيّم معناه الثابت و القائم» هو إشارة إلى أن هذا التوجه المستمر «أو الإقامة» هي للدين .. أي لأنّ الإسلام دين ثابت و مستقيم و ذو نظام قائم في الحياة المادية و المعنوية للناس، فلا تمل عنه أبدا، بل أقم وجهك للدين القيم! و إنّما وجه الخطاب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليعرف الآخرون واجبهم و وظيفتهم أيضا.
[١]- كلمة «مردّ» في جملة «لا مرد له من اللّه» مصدر ميمي و هو هنا بمعنى اسم الفاعل فيكون معنى الجملة: لا رادّ له من اللّه. و الضمير في «له» يعود إلى «يوم» و يكون المفهوم العام للجملة. لا يستطيع أي كان أن يعيد ذلك اليوم من اللّه، أي يقف بوجه القضاء و المحاكمة بتأخير ذلك اليوم و «تعطيله».
و الخلاصة: إنّه لا يخلف اللّه وعده ليعيد ذلك اليوم، و ليس لأحد سواه القدرة على ذلك؛ فوقوع ذلك اليوم لا بدّ منه و هو يوم محتوم» (فلاحظوا بدقة).