الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٧ - التّفسير
للعبد في الحالة الأولى «سعة الرزق»، و تارة يراها في الثّانية، أي «الضيق».
و صحيح أنّ العالم هو عالم الأسباب، فمن جدّ و جد، و من سعى قاوم الصعاب ينل فائدة أكثر و يربح عادة، و أمّا أولئك الكسالى فلا ينالون إلّا قليلا ...
لكن هذه القاعدة في الوقت ذاته ليست دائمية و لا كلية، إذ يتفق أن نرى أناسا جديرين و جادّين يركضون من هنا و هناك، إلّا أنّهم لا يصلون إلى نتيجة يبلغون هدفهم، و على العكس منهم قد نشاهد أناسا لا يسعون و لا يجدّون و تتفتح عليهم أبواب الرزق من كل حدب و صوب.
و هذه الاستثناءات كأنّها لبيان أنّ اللّه بالرغم من جميع ما جعل للأسباب من تأثير، لا ينبغي أن ينسى في عالم الأسباب، و لا ينبغي للإنسان أن يغفل أن وراء هذا العالم يدا قوية أخرى تديره كيف شاءت! فأحيانا- و وفق مشيئته- توصد جميع الأبواب بوجه الإنسان مهما سعى و جدّ في الأمر، و قد يرحم الإنسان و ييسّر له الأمور الى درجة انه ما أن يخطو خطوة ... و إذا الأبواب متفتحة أمامه! فما نرى في حياتنا من هذه المفارقات، بالإضافة إلى أنّه يحدّ من الغرور المتولد من وفور النعمة، و اليأس الناشئ من الفقر، فهو في الوقت ذاته دليل على أن وراء إرادتنا و مشيئتنا يدا قوية أخرى «تسيّر أعمالنا».
لذلك يقول القرآن في نهاية الآية: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.
و ينقل بعض المفسّرين كلاما بهذا المضمون و هو: سئل أحد العلماء: ما الدليل على أنّ للعالم صانعا واحدا؟
فقال هناك ثلاثة أدلة: «ذل اللبيب، و فقر الأديب، و سقم الطبيب». [١] أجل إن وجود هذه المستثنيات و المفارقات دليل على أن الأمور بيد قادر آخر، كما
ورد في كلام الإمام علي عليه السّلام أيضا «عرفت اللّه سبحانه بفسخ العزائم،
[١]- تفسير روح البيان، ج ٧، ص ٢٩، ذيل الآية محل البحث.