الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٤ - أ ليس القرآن كافيا في إعجازه؟!
منحصرا بأهل مكّة، بل كثير من الأمم السابقين يلتجئون إلى مثل هذه الذريعة، و يصرون على تعجيل العقوبة و العذاب!.
و أخيرا فإنّ الجواب القرآني الثّالث يتبيّن في الآية إذ يقول: يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ.
فإذا تأخر عنهم عذاب الدنيا، فإن عذاب الآخرة واقع لا محالة، و محيط بهم تماما و سيصيبهم حتما بحيث أنّ القرآن يذكره بصورة أمر فعليّ (و كأن جهنّم الآن محيطة بهم).
و يوجد تفسير آخر أكثر دقّة لهذه الآية، و هو أنّ جهنم محيطة، الآن فعلا بالكافرين، من جهتين- بالمعنى الواقعي للكلمة.
الجهة الأولى: إنّها جهنم الدنيا، إذ هم على أثر شركهم و تلوثهم بالذنب يحترقون بجهنم التي أعدّوها لأنفسهم، جهنم الحرب و سفك الدماء، جهنم النزاع و الشقاق و الاختلافات، جهنم القلق و الفزع، جهنم الظلم، و جهنم الهوى و الهوس و العناد.
و الجهة الثّانية: طبقا لظاهر الآيات في القرآن فإنّ جهنم موجودة فعلا، و كما تقدم سابقا فإنّ جهنّم موجودة في باطن الدنيا، و بهذا فهي محيطة بهم على نحو الحقيقة .. و في سورة التكاثر إشارة لها أيضا كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ الآيات ٥- ٧ من سورة التكاثر [١].
ثمّ يضيف القرآن يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَ يَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [٢].
يمكن أن تكون هذه الآية توضيحا لإحاطة عذاب جهنّم في يوم القيامة بالكفار، و يمكن أن تكون بيانا مستقلا لذلك العذاب الأليم لهم الذي يحيط بهم
[١]- لمزيد الإيضاح يراجع- في هذا الصدد تفسير الآية (١٢٣) من سورة آل عمران.
[٢]- يرى بعض المفسّرين أن كلمة «يوم» متعلقة بفعل محذوف مقدر، و قال بعضهم: هو متعلق ب «محيطة».