الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٤ - اتّبعوا أحسن الأساليب في البحث و الجدال
السماوية، و لديهم استعداد أكثر للتعامل المنطقي، إذ ينبغي أن يكلم كل شخص بمقدار علمه و عقله و أخلاقه.
فيقول القرآن في هذا الصدد: لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [١].
«تجادلوا» مشتق من «جدال» و معناه في الأصل فتل الحبل و إحكامه، كما تستعمل هذه المفردة في البناء المحكم و ما أشبهه، و حين يتناقش اثنان في بحث معين فكل واحد منهما- في الحقيقة- يريد أن يلوي صاحبه عن عقيدته و فكرته .. لذا فقد سمّي هذا النقاش جدالا. كما يرد هذا التعبير في النزاع أيضا، و على كل حال فإنّه المراد من قوله وَ لا تُجادِلُوا المناقشات المنطقية.
و التعبير ب بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ تعبير جامع يشمل الأساليب و الطرق الصحيحة و المناسبة للتباحث أجمع، سواء كان ذلك في الألفاظ أو المحتوى، و سواء كان في طريقة الكلام، أو الحركات و الإشارات المصاحبة له.
فعلى هذا يكون مفهوم الجملة المتقدمة: إنّ ألفاظكم ينبغي أن تكون بطريقة مؤدبة، و الكلام ذا مودّة، و المحتوى مستدلا، و صوتكم هادئا غير خشن، و لا متجاوزا لحدود الأخلاق أو لهتك الحرمة، و كذلك بالنسبة لحركات الأيدي و العيون و الحواجب التي تكمل البيان، ينبغي أن تكون هذه الحركات ضمن هذه الطريقة المؤدبة ... و كم هو جميل هذا التعبير القرآني، إذ أوجز عالما من المعاني الدقيقة في جملة قصيرة.
كل هذه الأمور لأجل أن الهدف من وراء النقاش و البحث ليس هو طلب التفوق و دحر الطرف الآخر، بل الهدف أن يكون الكلام حتى ينفذ في القلب و في أعماق الطرف الآخر ... و خير السبل للوصول إلى هذا الهدف هو هذا الأسلوب القرآني.
[١]- «التي» هنا صفة لموصوف محذوف تقديره الطريقة أو ما شاكلها ...