الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٢ - الامتحان الإلهي سنة خالدة
فيقول أوّلا: أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ. [١] ثمّ يذكر القرآن هذه الحقيقة- بعد الآية المتقدمة مباشرة، و هي أن الامتحان سنة الهية دائمية، فالامتحان لا يختص بكم- أيّها المسلمين- بل هو سنة جارية في جميع الأمم المتقدمة، إذ يقول: وَ لَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.
و هكذا ألقينا بهم أيضا في أفران الامتحانية الشديدة الصعبة ... و وقعوا أيضا- تحت تأثير ضغوط الأعداء القساة و الجهلة المعاندين .. فساحة الامتحان كانت مفتوحة دائما، و اشترك فيها جماعة كثيرون.
و ينبغي أن يكون الأمر كذلك، لأنّه في مقام الادعاء يمكن لكل أحد أن يذكر عن نفسه أنّه أشرف مجاهد و أفضل مؤمن و أكثر الناس تضحية .. فلا بدّ من معرفة قيمة هذه الادعاءات بالامتحان، و ينبغي أن تعرف النيات و السرائر إلى أي مدى تنسجم مع هذه الادعاءات.؟! أجل فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ لَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ.
من البديهي أنّ اللّه يعرف جميع هذه الأمور جيدا- قبل أن يخلق الإنسان- إلّا أنّ المراد من العلم هنا هو التحقق العيني للمسائل .. و وجودها الخارجي، و بتعبير آخر: ظهور الآثار و الشواهد العملية .. و معناه أنّه ينبغي أن يرى علم اللّه في هذه المجموعة عمليا في الخارج، و أن يكون لها تحقق عيني، و أن يكشف كلّ عمّا في نفسه و داخله ... هذا هو العلم حين يطلق على مثل هذه المسائل و ينسب إلى اللّه!.
و الدليل على هذه المسألة واضح- أيضا- لإنّ النيّات و الصفات الباطنية إذا لم تحقق في عمل الإنسان و تكون عينيّة، فلا مفهوم للثواب و الجزاء و العقاب!.
و بعبارة أخرى: فإنّ هذا العالم مثله كمثل «المدرسة» أو «المزرعة»
[١]- «يفتنون» مشتق من «الفتنة» و هي في الأصل وضع الذهب في النّار لمعرفة مقدار خلوصه، ثمّ أطلق هذا التعبير على كل امتحان ظاهري و معنوي .. «لمزيد الإيضاح يراجع تفسير الآية (١٩٣) من سورة البقرة».